محاضرات في مقياس قانون البحار من إعداد د. بن مشرنن خير الدين PDF

 محاضرات في مقياس قانون البحار من إعداد د. بن مشرنن خير الدين PDF

محاضرات في مقياس قانون البحار من إعداد د. بن مشرنن خير الدين PDF

جامعة أبو بكر بلقايد - تلمسان

كلية الحقوق والعلوم السياسية

محاضرات في مقياس قانون البحار

مطبوعة موجهة لطلبة السنة الأولى ماستر

من إعداد: د. بن مشرنن خير الدين

السنة الجامعية: 2021-2022

مقدمة:

يستخدم لفظ السيادة السيادة (La souverainete) في القانون الدولي العام للتعبير عن أمرين، هما: قاعدة عدم وجود سلطة عليا دولية تستطيع فرض قراراتها على الدول، ومبدأ المساواة بين الدول قانونيا، وهي مساواة لا تنفي فكرة السيادة وإنما تمنح الدول حرية التصرف وفقا للقواعد التنظيمية الدولية المختلفة التي التزمت بمراعاتها، فتعاون الدول أساسه المساواة بينها، وهي المساواة في الحقوق والواجبات المقررة ضمن القواعد الدولية المنظمة للعلاقات الدولية. فالقانون الدولي العام أول ما تعامل معه هو الدول الكاملة السيادة التي تتمتع بحقوق وواجبات في القانون الدولي العام. ولتحتفظ الدول بسيادتها فإنها تتعامل في إطار القانون الدولي العام وفق حقوق وواجبات وتمارس سيادتها في حدود هذا القانون. ولقد أثمرت الجهود التي بذلت من قبل المنظمات الدولية والدور الذي قام به الفقه الدولي قصد شرح الأسس التي تضمن علاقات الاحترام المتبادل بين الدول كأشخاص فاعلة في المجتمع الدولي، إلى وضع مجموعة من الحقوق والواجبات تجعل الدول تتعايش فيما بينها، وأيضا تسمح لها بممارسة سيادتها في إطار المبادئ الأساسية التي سطرها القانون الدولي العام. فاستقلالية الدول في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية واستمرارية العلاقات الدولية بين أعضاء المجتمع الدولي تقتضي تفعيل تلك المبادئ التي تتجلى في صورة حقوق وواجبات تجسد سيادتها، فبهذه الحقوق يتكرس استقلالها وبالواجبات تتقيد وتحد سيادتها في مواجهة حقوق الدول الأخرى. والأصل في هذه الحقوق والواجبات النسبية كونها مبادئ مقبولة عالميا وملزمة للدول الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، والتي وردت في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة وانطلاقا من هذه التوطئة نطرح التساؤل التالي: ما مدى انطباق المبادئ الأساسية المنظمة لعلاقات المجتمع الدولي على علاقات الدول الساحلية في المجال البحري؟

إن مبدأ امتناع الدول في علاقتها الدولية عن استعمال القوة أو التهديد باستعمالها، يعتبر من أهم المبادئ الأساسية المنظمة لعلاقات المجتمع الدولي، والتي أكد عليها القانون الدولي تكريسا لعلاقات سليمة بين الدول. فمن المعلوم أن أي دولة حتى تضمن بقاءها فإنه عليها أن تتخذ من الأعمال والإجراءات التي تحقق بقاءها وديمومتها كشخص قانوني دولي كتدابير إنشاء جيش ومؤسسات عسكرية والولوج في تحالفات دولية عالمية وإقليمية، وهذا قصد دفع أي تهديد أو خطر أجنبي يمس أمنها الداخلي أو علاقاتها الخارجية، وهو ما يستلزم امتناعها في علاقاتها الدولية عن استعمال القوة أو التهديد بها ضد السلامة الترابية أو استقلال دول أخرى. لكن هذا المبدأ يستثنى منه ما يلي: حق الدفاع الشرعي (المشروع) الفردي أو الجماعي؛ وحق استعمال القوة من قبل مجلس الأمن في ظل نظام الدفاع الجماعي؛ وحق منع التوسع العدواني واستعمال القوة من أجل تقرير المصير (الحرية والاستقلال).

فلقد أكدت مجريات العلاقات الدولية، ورغم المجهودات التي تم إعمالها لتكريس مبدأ امتناع الدول في علاقتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة وعن استعمالها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لدول أخرى، أن التعديات التي عرفها المجتمع الدولي على سيادة الدول تأخذ مبررات مختلفة بدءا بالأسباب المتعلقة بحماية الإنسانية مرورا إلى طلب المساعدة من أجل تخطي الصعوبات والصراعات الداخلية التي تمر بها الدول قصد استتباب السلم والأمن الداخلي للدولة. وبالنتيجة من ذلك، نضمن لكل دولة الحق في الحرية والاستقلال داخل المجتمع الدولي، ولو تطلب الأمر استعمال القوة من أجل تكريس هذا الاستقلال ورد التوسع العدواني، مما يسمح لها بمارسة سلطتها السياسية لكل مظاهر السيادة على الصعيدين الداخلي والخارجي. 

ورغم أهمية مبدأ التعاون الدولي في العلاقات الدولية، إلا أن تجسيده على أرض الواقع يقتضي إسناده بمبدأ المساواة في السيادة والحقوق، وهي المساواة أمام القانون الدولي، لكن فيما يقابل ذلك يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار المعاهدات الدولية. فبالاستناد إلى مضمون البند الأول من المادة 02 من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه: " تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، فإنه يعتبر حق المساواة بين الدول ذات السيادة الكاملة من أهم الحقوق المساعدة على تمتع الدولة بأهلية وقدرة فاعلة في ربط علاقات مع بقية أشخاص المجتمع الدولي. وعليه، تتمتع جميع الدول بالنظر لمساواتها في السيادة بالحق في المساواة القانونية داخل المجتمع الدولي في إطار المبادئ المؤكد عليها في القانون الدولي العام، وهذا بغض النظر عن مكانتها وقوتها العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أوغيرها، هذه المساواة التي لا تثبت إلا للدول ذات السيادة الكاملة. فهذا الحق يقتضي، وضمن المجال البحري، المساواة في الاختصاصات الدول الساحلية على مختلف المساحات البحرية التي سطرها القانون الدولي، وخاص ما تضمنته اتفاقية قانون البحار لسنة 1982.

ويعتبر مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية من أهم الالتزامات الدولية التي يجب على الدول احترامها فهي تتعهد بتنفيذ تعهداتها الدولية بحسن نية وطبقا لمبادئ القانون الدولي وقواعده المعترف بها تنفيذا يحدوه حسن النية، وأيضا طبقا للاتفاقات الدولية المتفقة المبادئ، وإذا تعارضت الالتزامات المترتبة عن اتفاقيات دولية مع التزام أعضاء الأمم المتحدة بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، تكون الأفضلية لالتزاماتهم المتصلة بهذا الميثاق، وهذا ما ينطبق على الالتزامات الدولية التي تتحملها الدول الأعضاء في اتفاقية قانون البحار لسنة 1982، إذ أن استغلال واستعمال المساحات البحرية التي هي تحت سلطة الدولة الساحلية تقتضي توافر حسن النية وتحمل المسؤولية من قبلها، وذلك بعد أن صادقت على الاتفاقية وما تتضمنه من حقوق والتزامات تقع عليها. فمن المتفق عليه أن الدول تستقل في تنفيذ أحكام القانون الدولي دون رقابة ولا قضاء إجباري، لكونه قانون إرادي تنفيذ التزاماته رهن إرادة الدول ورضاها ، لذا يشكل حسن النية في هذا التنفيذ حجر الزاوية، ومتى انعدم عنصر حسن النية سادت الفوضى وغاب الاستقرار في العلاقات الدولية، فلا قيمة ولا فائدة من التزامات دولية غير نافذة وبتحقق هذا التنفيذ نضمن التعايش السلمي ين الدول في شكل دول متساوية الشخصية القانونية.

وبما أن المجال المائي للدولة الساحلية يضم / المساحات المائية التي تعد جزءا من إقليم الدولة، من أنهار ومياه داخلية وبحر إقليمي، والمساحات البحرية الأخرى المتصلة باتفاقيات الأمم المتحدة للبحار لسنتي 1958 و1982(أي اتفاقيات جنيف الأربع واتفاقية جامايكا)؛ مع العلم أنه، وباستثناء أعالي البحار وقاعها ، فإنه تخضع جميع المناطق البحرية الأخرى ذات التسميات المختلفة إلى سيادة الدولة الساحلية أو تمارس على بعضها اختصاصات الولاية الوطنية فقط، وبما يتفق مع قواعد القانون الدولي والقيود التي فرضتها الأعراف الدولية ونصوص اتفاقيات جنيف لسنة 1958 واتفاقية جامايكا لسنة 1982 حول قانون البحار. وقد تجسدت أولى خطوات عملية وضع إطار قانوني للبحار على المستوى الدولي من خلال محاولة مؤتمر لاهاي لسنة 1930، إلا أن هذا المؤتمر فشل في تقنين القواعد العرفية البحرية، وأيضا فشل في الاتفاق حول تحديد مدى اتساع المياه الإقليمية على إثر مشروع اتفاقية بشأن المياه الإقليمية الذي أعدته اللجنة الخاصة التي شكلتها عصبة الأمم سنة 1924. وعلى إثر ذلك أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1949/11/21 لجنة القانون الدولي التي أ أعطت الأولوية لثلاث موضوعات من بينها نظام البحار العامة ، فأعد المقرر الخاص تقارير عن النظام القانوني للبحار العامة والموضوعات المرتبطة بها كتحديد امتداد البحر الإقليمي وما يتصل به. كما بحثت اللجنة السادسة للجمعية العامة مشروع لجنة القانون الدولي المنشأة سنة 1949، وبعد ذلك اتخذت الجمعية بناء على توصية هذه اللجنة قرارا تطلب فيه من الأمين العام للأمم المتحدة الدعوة إلى مؤتمر دبلوماسي ينعقد في مارس 1958، وفعلا عقد المؤتمر في جنيف بتاريخ 1958/04/28 وتمخضت عنه اتفاقيات جنيف الأربع، ويضاف إلى هذه الاتفاقيات اعتماد بروتوكول اختياري خاص بالالتزام بتسوية المنازعات، والذي دخل حيز النفاذ في 1962/09/30. ولقد أصدرت الجمعية العامة خلال دورتها الثالثة والعشرين (23)، قرارها رقم (2467) المؤرخ في 1968/12/21 بخصوص تخصيص قاع البحار والمحيطات للأغراض السليمة، جاء في الجزء الأول منه التأكيد على ضرورة إنشاء لجنة دائمة لدراسة موضوع الاستخدامات السلمية لقاع البحار والمحيطات فيما وراء الولاية الإقليمية للدول، لتحل محل اللجنة الخاصة التي سبق تشكيلها لنفس الهدف. وبعد سلسلة من الاجتماعات والمناقشات التي استمرت خمس (5) سنوات، انتهت اللجنة من إعداد جدول أعمال يتكون من خمسة وعشرين (25) موضوعاً تمثل في مجملها النظام القانوني للبحار والمحيطات في مختلف مناطقها ومن مختلف النواحي الاقتصادية والإستراتيجية والعلمية، حيث إن المشاكل المتعلقة بالبحار والمحيطات هي مشكلات مترابطة ومتصلة يبعضها لذا يجب بحثها ككل.

وفى 1982/12/10 وقعت (117) دولة بالإضافة إلى مجلس الأمم المتحدة لناميبيا وجزر كوك في مدينة مونتيجو باي (Montego - Bay) بدولة جاميكا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تتكون من ديباجة و (320) مادة وتسعة (9) مرفقات ألحقت بالبيان الختامي للمؤتمر وجاءت الاتفاقية الجديدة، ولأول مرة ، بفكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي تعطى للدولة الساحلية سلطة الاستغلال الاقتصادي للموارد الطبيعية والمصالح الأخرى حتى مسافة (200) ميل بحري تبدأ من خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي. كما أنشأت الاتفاقية السلطة الدولية المختصة باستغلال قاع البحار والمحيطات فيما وراء حدود الولاية الإقليمية للدول باعتباره تراثاً مشتركاً للإنسانية. هذا، وقد أوردت المادة 311 من الاتفاقية في فقرتها الأولى حكماً هاماً بخصوص العلاقة بينها وبين اتفاقيات ،1958، حيث قررت سمو هذه الاتفاقية فيما بين أطرافها على اتفاقيات جنيف الأربع لستة 1958، هذا بالإضافة إلى ما تتميز به هذه الاتفاقية من قواعد قانونية أخرى خاصة تميزها عن اتفاقيات 1958.

وعليه، نطرح التساؤل التالي المرتبط بمضمون هذا المقياس: كيف تعاملت اتفاقيات الأمم المتحدة للبحار لسنتي 1958 و 1982 (أي كل من اتفاقيات جنيف الأربع وخاصة اتفاقية جامايكا) مع مختلف المساحات البحرية من حيث إطار تحديدها والاختصاصات الممنوحة للدول الساحلية والدول الأخرى ضمنها؟ والإجابة عن هذا التساؤل، تكون من خلال مضمون الفصول التالي:

  • الفصل الأول: المياه الداخلية والمياه الأرخبيلية؛
  • الفصل الثاني: البحر الإقليمي (المياه الإقليمية)؛
  • الفصل الثالث: المنطقة المتاخمة (المجاورة أو الملاصق) - La zone contigue
  • الفصل الرابع: المنطقة الاقتصادية الخالصة - La zone économique exclusive -
  • الفصل الخامس: الجرف القاري - PLATEAU CONTINENTAL-
  • الفصل السادس: أعالي البحار ومنطقة التراث المشترك للإنسانية.

google-playkhamsatmostaqltradent