الإطار المفاهيمي لجرائم الفساد في الجزائر

الإطار المفاهيمي لجرائم الفساد في الجزائر

الإطار المفاهيمي لجرائم الفساد في الجزائر

يعتبر الفساد معضلة شديدة التعقيد تتداخل أسبابها وظروف نشوئها ومبررات وأسس استمرارها ودوامها تداخلا كبيرا، الاستثمار نظرا لتأثيره السلبي على الاقتصاد الوطني، لذا تتطلب مواجهته إتباع إستراتيجية شاملة متكاملة وذلك برسم سياسة متعددة الجوانب تأخذ بعين الاعتبار الأسباب الدوافع التي أدت إلى انتشاره، ولابد من وضع آليات وأجهزة لمكافحة الفساد، وسعيا من المشرع الجزائري إلى مكافحة أشكال وأنماط الفساد بمختلف أنواعه، فقد وضع القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، الذي يهدف إلى دعم التدابير الرامية إلى الوقاية من الفساد وتعزيز الشفافية وقيم النزاهة في تسيير وتسهيل ودعم التعاون الدولي.

كما تعتبر صفة الموظف العمومي في جرائم الفساد بالنسبة للقطاع العام ركنا أساسيا لقيام جريمة من جرائم الفساد المنصوص عليها في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، لهذا نجد بأن المشرع الجزائري قد وسع من نطاق صفة الموظف العمومي ليشمل عدة أشخاص قد لا تتوافر فيهم صفة الموظف العمومي وفقا للقانون الأساسي للوظيفة العمومية، وعليه سنتعرض لهذه النقاط تفصيلا فيما يلي:

المطلب الأول: مفهوم الفساد وأثاره

 يعتبر الفساد من المواضيع التي تم البحث فيها ولا زال البحث في طرق مكافحتها قائما نظرا لاستفحال الظاهرة وتسببها في تدمير المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للشعوب والدول، وعليه سنعرض للنظام القانون لظاهرة الفساد من حيث تطورها وأثارها وأنواعها وٕإنعكاساتها على المجتمعات.

الفرع الأول: محاولة تعريف جرائم الفساد وأسبابه وأنواعه

أرهقت ظاهرة الفساد الشعوب خاصة في الدول النامية وأصبحت المسبب الرئيسي للفقر والحرمان والآفات الاجتماعية (الجرائم ،الإدمان. ..الخ)، وعليه سنتعرف عليها فيما يلي:

أولا: تعريف الفساد

لقد اختلفت الشريعة والفقه والتشريعات الدولية والوطنية في تعريف ظاهرة الفساد وللإلمام بها أكثر نتطرق لها في النقاط التالية:

1 - تعريف الشريعة الإسلامية لظاهرة الفساد

نلاحظ أن للفظ الفساد أكثر من معنى في معاجم اللغة العربية  وإن كانت تشترك في عدة أمور منها: خروج الشيء عن الاعتدال وهو ضد الصلاح، والشريعة الإسلامية في نظرتها للفساد لا تختلف كثيرا عما سبق في معاني، رغم أنها تنظر للفساد من منظور أشمل  وأوسع، أما لفظ الفساد ومشتقاته قد ورد في القرأن الكريم متكررا خمسين مرة موزعة على 23 سورة منه، بهيئات الفعل وتصرفاته، والمصدر  واسم الفاعل، فأما الفعل فذكر في ثمانية عشر موضعا، وأما المصدر فذكر في أحد عشر موضعا، واسم الفاعل مفردا كان أو على صيغة الجمع في واحد وعشرين موضعا. 

ولقد ورد أكثر ألفاظ الفساد في القرآن الكريم متعلقا بذكر الموضع وهو الأرض - قال اﷲ تعالى: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها".            

2- تعريف ظاهرة الفساد اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومحاربته

فزيادة على التعريفات السابقة، فقد عرفته اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومحاربته في يوليو 2003 بأنه:" أي فعل أو إغفال يرتكبه موظف عمومي أو أي شخص آخر في تنفيذ واجباته لغرض الحصول غير المشروع على منافع له أو لطرف آخر".

فالفساد يوجد غالبا حيث يكون لمنظمة ما، أو شخص معين سلطة احتكار سلعة أو خدمة معينة، ويكون له حرية التصرف واتخاذ القرار والخضوع للمساءلة والرقابة لأن الفساد جريمة مبنية على التفكير  والحساب وليس على العاطفة، بحيث يقوم الموظف بتأمين خدمات مبنية يضعها القانون كإفشاء معلومات سرية أو إعطاء تراخيص غير مبررة.

3. تعريف ظاهرة الفساد من طرف الهيئات الدولية

عرفت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالنظر إلى الحالات التي يترجم فيها إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع ومن ثم القيام بتحريم هذه الممارسات، وهي الرشوة بجميع أنواعها سواء في القطاعين العام والخاص، والاختلاس بجميع أنواعه، والمتاجرة بالنقود، وٕإساءة استغلال الوظيفة، وتبيض الأموال والإثراء غير المشروع وغيرها من أوجه الفساد الأخرى".

وعرفت منظمة الشفافية الدولية الفساد على أنه: ”استغلال السلطة من اجل المنفعة الخاصة"، كما عرفته كذلك على انه:"إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز رشوة لتسهيل عقد معين أو إجراء طرح مناقشة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء الشركات أو أعمال خاصة تقديم رشاوى للاستفادة من تدابير معينة أو إجراءات عامة للتغلب على منافسيهم وتحقيق أرباح لا يمكن تحقيقها في ظل القوانين الموضوعية".

وعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNPD) الفساد بأنه: "إساءة استعمال القوة العمومية أو المنصب أو السلطة للمنفعة الخاصة سواء عن طريق الرشوة أو الابتزاز أو استغلال النفوذ أو المحسوبية أو الغش أو تقديم إكراميات للتعجيل بالخدمات، أو عن طريق الاختلاس".

وعرف البنك الدولي الفساد على أنه: "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، وعليه فالفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول أو طلب رشوة لسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات خاصة بتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما يمكن أن يحدث من خلال استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب في المناصب أو سرقة أموال الدولة مباشرة".

4- تعريف التشريعات لظاهرة الفساد

إن المشرع المصري لم يعرف مصطلح الفساد، ولكنه ركز على الرشوة في المادتين 103 و105 مكرر من قانون العقوبات وان كان قد أشار إلى بعض مظاهره.

ويعاب على المشرع المصري هو عدم تجريمه للفساد رغم تعدد أشكاله وصوره، فلم تعد الرشوة الصورة الوحيدة أو المظهر الوحيد له، بل هناك العديد من السلوكيات والأفعال التي تندرج اليوم في إطار ما يسمى بالفساد.

وميز قانون العقوبات الفرنسي بين ما اسماه الفساد النشط (الإيجابي) والفساد السلبي معرف الفساد الإيجابي أنه: "سعي الموظف الحكومي بنشاط من اجل ومنح العقد"، أما الفساد السلبي فقد عرفه على انه:" قبول المسؤول لهدية أو مكافأة أخرى بعد منح العقد أو تقديم الخدمة".

ويعتبر الفساد مصطلح جديد في التشريع الجزائري، إذ لم يستعمل قبل سنة 2006 كما لم يجرم في قانون العقوبات، غير انه بعد تصديق الجزائر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2004 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 04 /128 المؤرخ في 19 أفريل 2004، كان لازما عليها تكييف تشريعاتها الداخلية بما يلتزم وهذه الاتفاقية، فصدر قانون الوقاية من الفساد ومكافحته رقم 06 /01 المؤرخ في 20 فيفري 2006 المعدل والمتمم والذي جرم الفساد بمختلف مظاهره.

وبالرجوع إلى القانون المذكور أعلاه نجد أن المشرع الجزائري انتهج نفس منهج اتفاقية الأمم المتحدة تعريفا فلسفيا أو وصفيا ،إذ أنه اختار كذلك من خلال الإشارة إلى صوره ومظاهره، وهذا ما تؤكده الفقرة أ من المادة 2 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته أعلاه، الفساد هو "كل الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من هذا القانون يمكن تصنيف جرائم الفساد إلى أنواع: اختلاس الممتلكات والإضرار بها ،الرشوة وما في حكمها، الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية والتستر على جرائم الفساد.

وحسن ما فعل المشرع الجزائري عندما لم يقحم نفسه في التعريفات الفقهية للفساد، والتي أثارت باقي الصور التي تخرج عن مجال التجريم وتبقى مباحة رغم خطورتها، مثل الوساطة، المحسوبية والمكافأة اللاحقة.

ورغم عدم التوصل إلى تعريف شامل ومتفق عليه للفساد من المعضلات التي تواجه الباحثين في هذا المجال، وذلك راجع لعدة أسباب ولعله في مقدمة ذلك وجود صور وأنواع مختلفة ومتنوعة للفساد، هذه الصور تتنوع بتنوع المؤسسات والقطاعات التي ينتشر فيها الفساد واختلاف المتورطين فيها ومن خلال هذا يمكن ذكر الأنواع المذكورة أعلاه بتعريفها.

ثانيا: أنواع الفساد

للفساد عدة أنواع وتصنيفات تختلف باختلاف المعايير التي على أساسها يتم التصنيف، نذكر البعض منها فيما يلي:

1 - الفساد من حيث الانتشار

أ‌) الفساد المحلي: وهو الذي يتم داخل حدود البلد، ويقتصر على أطراف محليين ويتم عادة عند التقاء القطاع الخاص بالقطاع العام في معاملة ما، وقد يكون الطرفان من القطاع العام، فالحكومة عادة ما تقوم بشراء مواد ومستلزمات من السوق المحلية بكميات كبيرة، وتطرح عددا من المشروعات للتنفيذ عبر مناقصات يتقدم لها القطاع الخاص المحلي، وقد يتم رشوة بعض المسؤولين الحكوميين للحصول على هذه الصفقات مما يخل بقواعد المنافسة بين وحدات القطاع الخاص، كما يؤدي إلى زيادة تكاليف هذه المشروعات، ومن ثم زيادة الأسعار، بسبب إضافة قيمة الرشاوى المدفوعة إلى تكاليف المشروع ما يحمل الدولة نفقات إضافية".

ب‌) الفساد الدولي: وهو الذي يتجاوز حدود الدولة، وذلك عن تعامل الدولة مع أطراف خارجية حيث تقوم الحكومات في الدول النامية بشراء معدات ومستلزمات وتجهيزات من الخارج، وقد يتم دفع الرشاوى والعمولات للتعاقد مع شركات معينة دون أخرى، مما يدفع الشركات الأجنبية إلى دفع عمولات كبيرة للحصول على المناقصـات الخارجية والامتيازات في الدول النامية، ويتم ذلك بصفة خاصة في الصفقات الكبرى المتعلقة بالنشاط ألاستخراجي ومشروعات البنية الأساسية وصفقات السلاح...وغيرها".

1 - الفساد من حيث الحجم

أ‌) الفساد الصغير: (فساد الدرجات الوظيفية الدنيا) وهو الفساد الذي يمارس من فرد واحد دون تنسيق مع الآخرين لذا نراه ينتشر بين صغار الموظفين عن طريق استلام رشاوى.

ب‌) الفساد الكبير: (فساد الدرجات الوظيفية العليا) ويقوم به كبار المسؤولين والموظفين لتحقيق مصالح مادية أو اجتماعية كبيرة وهو أهم وأشمل وأخطر لتكليفه الدولة مبالغ ضخمة".

ت‌) فساد وفق انتماء الأفراد المنخرطين في الفساد: يمكن التمييز بين نوعين، فساد القطاع العـام والقطاع الخاص:

ث‌) فساد القطاع العام: ويعتبر هذا النوع من الفساد اشد عائقا للتنمية على مستوى العالم، وهو استغلال النشاط العام خاصة في تطبيق أدوات السياسات المالية والمصرفية، مثل التعريفات الجمركية والائتمان المصرفي والإعفاءات الضريبية لأغراض خاصة، حيث يتواطأ الموظفون العموميون معا لتحويل الفوائد والرسوم لأنفسهم بدلا من تحويلها لخزينة الدولة مثلا، بطرق مختلفة كالاختلاس والسرقة والرشوة.. و غيرها.

ج‌) فساد القطاع الخاص: يتمثل في استغلال نفوذه بفضل ما يملكه من مال للتأثير على السياسات الحكومية، ويظهر أيضا في شكل هدايا ورشاوى من قبل القطاع الخاص مقابل إعفاءات وٕاعانات تقدم من طرف القطاع العام، وهو ما يترتب عليه تغير السياسات الحكومية وانحرافها نحو طبقة معينة من الأفراد  وهي المؤسسـات الخاصة ورجال الأعمال والأثرياء على حساب طبقة البسطاء والفقراء، وينتشر هذا النوع من الفساد عندما تتميز الأسواق بهياكل قانونية غامضة، وتكون سيادة القانون فيها معطلة وحيثما تسمح القوانين بممارسة السلطة عن طريق الاحتكار والتي لا تخضع للرقابة والسيطرة".

2 - الفساد من حيث المظهر

أ‌) الفساد السياسي: ويعرف الفساد السياسي بأنه: "إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) من جانب موظفي الإدارة العامة والمسؤولين الحكوميين لأهداف غير مشروعة بطريقة سرية لتحقيق مكاسب شخصية"، ويتعلق بالانحرافات المالية ومخالفات القواعد والأحكام التي تنظم عمل النسق السياسي (المؤسسات السياسية في الدولة) ويقوم هذا الفساد على أساس سلب الحريات وعدم المشاركة بالقرار والتفرد بالسلطة وعدم احترام الرأي الآخـر والعنف في مواجهة المواقف"، وتتمثل صور هذا الفساد فيما يلي: 

فساد المسؤولين الكبار (فساد القمة): ويحدث على أعلى مستويات الحكومة ويشمل البرامج والمشروعات الحكومية الرئيسية، حيث يدمر كبار المسؤولين الفاسدين خيارات القطاع العام مقابل الحصول على أجور كبيرة لهم من خلال المبالغ التي تدفعها كبرى الشركات الخاصة لقاء الحصول على عقود وامتيازات خاصة، إضافة إلى العوائد المحصل عليها من وضع اليد على المال العام كالاختلاسات وعمليات غسيل الأموال.

فساد النظام السياسي: الذي يتخذ عدة أشكال أبرزها فساد الأنظمة الانتخابية المتمثل في تزوير الانتخابات، شراء النفوذ السياسي وشراء الأصوات، فساد الأحزاب السياسية من خلال تحول العمل السياسي المبني على الرأي والرأي الآخر إلى صفقة سياسية تخفي كل أشكال المعارضة من المشهد السياسي، فساد السلطات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية من خلال لجوء أعضاء هذه الهيئات إلى استغلال الامتيازات الممنوحة لهم بحكم وظيفتهم كالنفوذ والحصانة.

ب‌) الفساد المالي: يتمثل في مجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل المالي في الدولة ومؤسساتها، ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية كالجهاز المركزي للرقابة المالية المختص بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة، والهيئات والمؤسسات العامة والشركات العامة التابعة لها مثل الرشاوى والاختلاس والتهرب الضريبي والمحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية.

ت‌) الفساد الأخلاقي: والمتمثل بمجال الانحرافات الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته، كالقيام بأعمال مخلة بالحياء في أماكن العمل.

ث‌) الفساد الإداري: يعرف الفساد الإداري حسب "جوزيف ناي (Joseph Nye)" بأنه: "سلوك الموظف العام المخالف للواجب الرسمي بسبب المصلحة الشخصية (مثل العائلة، القرابة، الصداقة) أو الاستفادة المادية، أو استغلال المركز ومخالفة التعليمات لغرض ممارسة النفوذ والتأثير الشخصي، ويشمل كذلك سوء استخدام المال العام مثل التوزيع غير القانوني للموارد من أجل الاستفادة الخاصة".

ويتعلق بالانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام أثناء تأديته لمهام وظيفية في منظومة التشريعـات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية، فمن يمارس الفساد الإداري هم أناس بمختلف مستويات الهيكل التنظيمي والمواقع الاجتماعية والسياسية.

ثالثاً: صور الفساد: 

يمكن إجمال أهم صور الفساد فيما يلي:

أ‌) الرشوة: هي وسيلة استخدام الوظيفة العامة للحصول على مكاسب شخصية، وتشمل كل المنافع التي تحفز الموظف على الاتجار بسلطته للحصول على حقوق ومزايا باطلة.

ب‌) الاختلاس: هي أخذ مباشر لأموال الدولة عن طريق التزوير أو التحريف أو إضافة معلومات كاذبة خاصة في ظل اعتقاد البعض بإمكانية الانتفاع من المال العام شخصيا.

ت‌) الغش والتدليس: يهدف إلى تحقيق الأغراض الخاصة أو زيادة الأرباح على حساب الهدف العام، وهو ينقسم إلى أنواع مختلفة كالغش التجاري والغش العلمي والغش المهني، حيث ينتشر في التعاملات المختلفة داخل الإدارات العامة.

ث‌) استغلال الصلاحيات (التحيز والمحاباة): أي استغلال الصلاحيات في التشدد مع البعض وحرمانهم من الحصول على الخدمات العامة، أو بالتساهل عند التعامل مع شرائح أخرى بحكم العلاقات الشخصية مما تضيع معه الموضوعية والأمانة.

ج‌) الابتزاز: هو استغلال الجمهور للحصول على أموال نقدية منهم أو أشياء عينية مقابل الحصول على الخدمة المطلوبة مما يضطر الناس للدفع مقابل التخلص من الإساءة أو أخذ الحق.

ح‌) التقصير والإهدار: وذلك عن طريق إضاعة الممتلكات العامة تعبيرا عن الحقد والسخط كالتكاسل المعتمد أو عدم الالتزام بأوقات العمل واستغلاله في أمور أخرى، أو إفشاء الأسرار وزرع الفرقة بين العاملين والإساءة للجمهور.

خ‌) الهدايا: وهي الهدايا التي يتم تبادلها بين المرؤوسين ورؤسائهم أو بين الجمهور والموظفين على اعتبار أنها هدايا عادية مع أنها تقدم لتحقيق مصالح شخصية، مثل مجاملة المسؤولين وٕإرسال الهدايا إلى أبنائهم أو أسرهم طمعاً في أشياء أخرى يتم استيعابها ضمنيا.

رابعا: أسباب انتشار الفساد

تعد ظاهرة الفساد ظاهرة مركبة تختلط فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ولذا تتعدد أسباب نشوئها، ومن هذه الأسباب عدم اتساق الأنظمة ومتطلبات الحياة الاجتماعية وضعف الرقابة وأسباب الفساد بالعموم تعود في الغالب إلى سببين رئيسيين هما: الرغبة في الحصول على منافع غير مشروعة ومحاولة التهرب من الكلفة الواجبة، وبالطبع نحن هنا بصدد التحدث عن أسباب الفساد الإداري بشكل خاص ويمكن تقسيمها بشكل مختصر إلى:

1- وجود أنظمة حكم استبدادية تحتكر السلطة في البلاد ولا تقبل المشاركة: تعد أنظمة الحكم الاستبدادية أرضاً خصبة لسوء استغلال السلطة خاصة في ظل عدم وجود المحاسبة والمساءلة، الأمر الذي يؤدي إلى استغلال المال العام وتسخيره لتحقيق مصالح فردية خاصة، وهنا يفقد الشعب الثقة في الحكومة وتغيب معه روح المواطنة وتتفشى كل أنواع الفساد نتيجة غياب العدالة الاجتماعية.

2- غياب المحاسبة وضعف النظام القضائي: تستمد الحكومات قوتها من وجود أنظمة قضائية عادلة ومستقلة تفرض قوانينها العادلة على الجميع، وهنا نجد أن غياب الأنظمة القضائية القوية والعادلة والمستقلة، وغياب المساءلة يؤدي إلى انتشار كل مظاهر الفساد.

3- انهيار القيم الأخلاقية وضعف الوازع الديني في المجتمع: من أبرز عوامل تفشي الفساد هو انهيار القيم والأخلاق الحميدة بين أفراد المجتمع، فالانفلات الأخلاقي وشيوع الحريات غير المنضبطة مع غياب عقيدة الدين وفساد رجاله يعتبر من أهم أسباب انتشار الفساد.

4 - ضعف الأجهزة الرقابية والتفتيشية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص: من أهم أسباب تفشي ظاهرة الفساد هو ضعف أو عدم وجود أجهزة رقابية أو تفتيشية قوية تستطيع بسط إجراءات الضبط الداخلي على كل مرافق حلقات الإدارة العامة للدولة، وعليه فإن ضعف هذه الأجهزة يستغله بعض الفاسدين في ممارسة الفساد نظراً لقدرتهم على الإفلات من الرقابة.

5- انهيار المستويات المعيشية للفرد داخل المجتمع: إن سوء توزيع الدخول بين أفراد المجتمع وخاصة في الدول الفقيرة يساعد بشكل كبير على بروز ظاهرة الفساد، والتي تنتج عن الإحساس بعدم العدالة بفعل سيادة الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع، كما أن تدني مستوى المعيشة والإحباط النفسي والبطالة يجعل كل من المواطن والموظف ينصرف إلى الاهتمام بأموره الشخصية واهمال الاهتمام بالمنظمة والتعليمات.

6- بروز ظاهرة تولي المسؤولية لقيادات ضعيفة: من أبرز عوامل انتشار الفساد في الإدارة العامة وجود قيادات إدارية وصلت إلى السلطة بقرارات تقع ضمن قاموس المحسوبية ليس لها الكفاءة اللازمة وغير متخصصة في مجال عملها، وهذا ما يؤدي إلى بروز سلسلة الإدارة السلبية والقرارات الخاطئة وضعف الأنظمة الإدارية، وعليه فإن وضع الشخص غير المناسب في موقع المسؤولية واتخاذ القرار يؤدي إلى أن يكون أداؤه الوظيفي ضعيفاً ودون مستوى الطموح مما يضر بمصالح المواطنين وسمعة الدولة، ويساعد أيضا على استغلال ذلك من قبل البعض من تمرير عمليات الغش والتلاعب على هذا المسؤول واستغلال المال العام لتحقيق منافع شخصية، والجدير بالذكر أن هذه الظاهرة تتفشى بصفة خاصة في المجتمعات العربية أين يقوم الحاكم أو المسؤول بتوزيع المسؤوليات والمهام الحيوية في الدولة على ذويه من ذي القربى والأصدقاء والمقربين منه، ونتيجة لذلك تظهر سلبيات عديدة في أساليب الإدارة بهذه الدول.

7- أسباب تتعلق بنشأة الفرد: وهي تشمل ما يلي:

- تعود المواطنين على قيم اجتماعية معينة كاستخدام الوساطة حتى في الأمور السهلة والتنشئة الأسرية التي تعود الفرد على أهمية تحقيق أهدافه بغض النظر عن مصلحة الجهاز، اضافة إلى اعتقاد المواطنين أن مخالفة القانون تحقق الأهداف بشكل أسرع.

- السياسات التعليمية والتثقيفية كالافتقاد إلى المناهج التي ترسخ معنى الخدمة المدنية في المدارس والجامعات، وعدم اهتمام المسؤولين التربويين بمتابعة تطبيق بعض المناهج التي تركز على معنى الخدمة المدنية.

8 - أسباب اقتصادية: يعاني أكثر الموظفين – خصوصا في الدول النامية – من نقص كبير في الرواتب والامتيازات ما يعني عدم القدرة على الوفاء بمتطلبات المعيشة ومن هنا يجد الموظف نفسه مضطرا لتقبل الهدية (الرشوة) من المواطنين ليسد بها النقص المادي الناتج عن ضعف الرواتب؛ تساهم الأوضاع الاقتصادية هي الأخرى في تفشي ظاهرة الفساد من خلال ما يلي:

- تؤدي الفجوة المتزايدة بفعل التضخم بين الدخول الاسمية للعاملين بأجهزة الدولة واحتياجاتهم المالية الحقيقية لمواجهة متطلبات المعيشة إلى تقوية الدافع لارتكاب صور الفساد مثل الرشوة والاختلاس، نظرا لصعوبة سد تلك الفجوة بأساليب مشروعة.

- تكليف أجهزة الدولة الحكومية (القطاع العام) بأعباء ومهام تتطلبها برامج التنمية وما يستلزمه ذلك من منحها صلاحيات واسعة ومدها بموازنات واعتمادات مالية كبيرة دون تمكينها من بناء مؤسساتها وتطوير قدراتها وتأهيل كوادرها، وتحسين قيادتها ضد احتمالات الانحراف والاستغلال أو إخضاعها للمتابعة والرقابة والمساءلة، فتتصرف في المال العام دون رقابة وهذا يعد مناخا ملائما لانتشار الفساد.

الفرع الثاني: آثار الفساد

إن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وٕإنجاز الوظائف والخدمات وبالتالي تشكل منظومة تخريب وٕافساد وتسبب مزيدا من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والفساد الإداري له آثار كبيرة على الدولة في كل قطاعاتها وبالتالي له تأثير مباشر في خفض وتقليص نوعية الخدمة التي تقدمها الدولة للمواطن وهذا حتما ما سيؤدي إلى التأثير على حقوق الإنسان ونوضح بمثل بسيط التأثير السلبي للفساد على حقوق الإنسان الاقتصادية فالفساد يضعف التدفقات الاستثمارية وقد يعطلها مما يمكن أن يسهم في تدني إنتاجية  الضرائب.

وبالتالي تراجع مؤشرات التنمية البشرية خاصة فيما يتعلق بمؤشرات التعليم والصحة وبرأيي من اخطر نتائج الفساد هو تحول الوظيفة العامة من وسيلة لإدارة الشأن العام لأفراد المجتمع ومن أداء للخدمة العامة ومن كونها تكليفا قانونيا وأمانة وطنية مقدسة إلى سلعة يتم المتاجرة بها بيعا وشراء بممارسة الفساد وهذا ما يؤدي إلى خلخلة القيم الأخلاقية وٕإلى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص، وكذلك يؤدي إلى عدم المهنية وفقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية وانتشار الفقر فالفساد يشوه البنى الاجتماعية والنسيج الاجتماعي.

حيث يؤدي تفشي الفساد في الدولة إلى عدة آثار سلبية وعلى كافة المستويات اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية، الأمر الذي يعطي انطباعا سيئاً عن تلك الدولة، ويمكن إجمال هذه الآثار فيما يلي:

1 - الآثار على الاقتصاد: إن للفساد آثار اقتصادية في استغلال الموارد والأداء الاقتصادي، ومن المسلم به أن الآثار الاقتصادية كثيرة ومتعددة على مستوى الدولة أو المؤسسات أو الأفراد، وتتلخص أهم الآثار الاقتصادية للفساد الإداري فيما يلي:

- يؤدي الفساد إلى تعطيل النمو الاقتصادي، حيث إن العقبات التي يؤثر عن طريقها الفساد في النمو الاقتصادي تتمثل في التشوهات التي يحدثها هذا الفساد في وجهة النفقات الحكومية، فالدراسات تؤكد أن الحكومات التي ينشر فيها الفساد تكون أكثر ميلا إلى توجيه نفقاتها إلى مشروعات ووجوه إنفاق يسهل فيها الحصول على الرشوة وٕإخفائها، ذلك لصعوبة تحديد سعرها في السوق أو في إنتاجها أو شرائها، في حين يقل إنفاق هذه الحكومات على الخدمات التعليمية والصحية والتي تقل فيها غالبا فرص الفساد. حيث إن الحكومات تخسر دخولا ضخمة من الإيرادات المالية المستحقة لخزينة الدولة بسبب الرشاوى التي يتقاضها موظفو الدولة حتى يتجاهلوا جزاء من الإنتاج، والدخل والواردات، في تقيميهم للضرائب المستحقة على هذه الأنشطة الاقتصادية، فضلا من ذلك فإن الفساد بسلب موارد الوطن ويساوم على دخوله أو تقليص إيراداته، ويشوه السياسات والحد من الاستثمار، فالفساد يضر بالاقتصاد ويعطل النمو ويعيق تقدمه.

- يتسبب في ضياع أموال الدولة التي يمكن استغلالها في إقامة المشروعات التي تخدم المواطنين بسبب سرقتها أو تبذيرها، أو إنفاقها من قبل الدولة على أجهزة العدالة والضبط والرعاية الاجتماعية، وما يكلفها ذلك من توفير الأموال والأدوات، إذ أن التنظيم قد يصاب بعجز مالي يعطله نهائيا أو جزئيا في مجال الإنتاج الخدمات أو يعطل كفايته الاقتصادية؛

- يؤدي الفساد إلى الإخفاق في جذب الاستثمارات الخارجية، وٕإلى هروب رؤوس الأموال المحلية ،وتسبب في هدر الموارد بسبب تعارض المصالح الشخصية مع المشروعات التنموية العامة، ويؤدي أيضا إلى عدم الحصول على المساعدات الأجنبية وهجرة الكفاءات الاقتصادية وذلك لغياب التقدير، وبروز المحسوبية والمحاباة في أشغال المناصب العامة وفي إقامة المشروعات الربحية، وقد لا تمنح الامتيازات والتراخيص إلى المشروعات الأعلى إنتاجية التي لا تقدم الرشاوى والعمولات، ويؤدي ذلك إلى ضعف في كفاءة القطاع الخاص في المساهمة في التنمية الاقتصادية، وتعاني وحدات الخدمة العامة من تفتشي ظاهرة الفساد بكافة أشكاله وهو ما يمثل مرضا خطيرا، يكاد يفقد قدرة هذه الأجهزة عن ممارسة إعمالها الموكلة إليها قانونيا، ويؤثر على انجاز عمليات التنمية والنمو الاقتصادي بشكل عام، ناهيك عما يوثر ظاهرة الفساد بشكل مباشر على القدرة على تحقيق حاجيات المواطنين والمتعاملين مع هذه الأجهزة ،مما يفقد الثقة بهذه الأجهزة وموظفيها، وأصبحت هذه الظاهرة تمثل عائقا إمام فرص الاستثمار المختلفة، وهو ما أكدته التقارير المختلفة؛

- يؤثر الفساد في توزيع الدخول: وٕإعادة توزيع الناتج القومي لصالح الأغنياء والطبقة القليلة الطفيلية التي اعتمدت في ترائها على مكسب غير المشروع، واستغلال ثغرات القانون لصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى خلق فجوة بين فئات المجتمع الواحد، الذي ينقسم إلى مجتمعين في آن واحد، مجتمع للأغنياء ومجتمع للفقراء ومن ثم افتقاد كافة صور العدالة الاجتماعية.

ومن مظاهر الآثار السلبية الاقتصادية للفساد ما يلي:

- رفع تكاليف المشاريع نتيجة الرشوة والعمولات؛

- ارتفاع نسبة البطالة، التضخم، الفقر، والمهمشين اجتماعيا؛

- إعاقة نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛

- ظهور نشاطات غير إنتاجية أو ما يعرف باقتصاديات الظل (المتاجرة بالتأشيرات والفيزا)؛

- يؤدي الفساد إلى تحقيق أدني نفع ممكن من الإنفاق على المشاريع وليس أقصى نفع ممكن؛

- سوء توزيع الموارد الاقتصادية وتوجيهها إلى قطاعات أقل أهمية عند المجتمع، كأنشطة الترفيه والرياضة، والمظاهر الاحتفالية، والدعاية والإعلان، وتزيين المباني، وأشجار الزينة. ...الخ.

- الضعف النسبي للإنفاق على المشاريع الاستثمارية وٕإهمال المناطق النائية؛

- التشكيك في فعالية الأجهزة الحكومية؛

- ترسيخ مجموعات من السلوكيات السلبية مما يجعل الفساد مثل الفتن يرقق بعضها بعضا؛

- تركيز الثروة في أيدي قلة من المجتمع مما يحرم الآخرين من الانتفاع بموارد البلاد المالية والاقتصادية، وهذا الحرمان تعطيل لطاقات يمكن الاستفادة منها؛

- يقسم المجتمع إلى فقراء وأغنياء، ويقضي على الطبقة الفاعلة وهي الطبقة الوسطى؛

- تدهور القيم الاجتماعية والأخلاقية مما يشكل خطرا على السلم الاجتماعي؛

- يضعف الشعور الوطني والانتماء إلى الدولة؛

- يسهم بتردي الخدمات المقدمة للمواطن على مستوى التعليم، الصحة، النقل...الخ؛

- تسرب اليأس والإحباط إلى النفوس، مما ينعكس سلبا على العمل والإبداع.

- ارتفاع تكاليف الخدمات العامة: يؤدي الفساد إلى ارتفاع تكاليف الخدمات العامة نتيجة التكاليف الإضافية، هذه الأخيرة تنتج عن دفع الرشوة وزيادة الوقت اللازم للحصول على الخدمة بسبب التعطيل، فالمستهلك يدفع سعر للخدمة أعلى من تكلفتها الحقيقية بسبب الريع الإضافي الذي يضطر لدفعه للحصول الخدمة التي يحتكر الموظف العمومي تقديمها.

- تنامي القطاع غير الرسمي: يدفع الفساد الشركات إلى التخفي خارج القطاع الرسمي، وبالتالي تسرب مقادير هائلة من الدخل الوطني خارج القنوات الرسمية ومنه حدوث تشوه في التوزيع داخل الاقتصاد، حيث تحد الرشوة والتهرب الضريبي من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات العمومية وتفضي إلى معدلات ضريبية متزايدة الارتفاع تحصل من عدد متناقص من دافعي الضرائب، وهذا ما يؤدي في النهاية إلى عجز الميزانية العامة للدولة.

- سوء توزيع الموارد: يعني سوء توزيع الموارد أن هذه الأخيرة تستخدم في الفساد بدلا من استخدامها في وسائل إنتاجية، فالشركات تبدد الوقت والموارد بغرض إنشاء علاقات مع مسؤولين (الانفاق على الرشاوى)، والمسؤولين يتخذون قرارات استثمارية عشوائية ولا تخدم الصالح العام لتحقيق أهداف خاصة ،بينما يتحمل تكلفة هذه المشاريع كل أفراد المجتمع (كل أفراد المجتمع يشاركون في دفع الضرائب).

- خفض معدلات الاستثمار: يؤدي الفساد إلى انخفاض العائد على الاستثمار بسبب ارتفاع التكاليف وهذا نتيجة قيام المستثمرين بدفع العملات والرشاوى للجهات المحتكرة للحصول على التراخيص ومختلف الخدمات العامة، كما أن الروتين وكثرة الإجراءات واستغراقها وقت أطول يفقد المشاريع أهميتها الأمر الذي ينعكس سلبا على بيئة الأعمال ويبعث على الاستياء لدى المستثمرين نتيجة إشاعة جو من عدم الطمأنينة ،حيث أن انتشار الفساد يرسل إشارة إلى المستثمرين تفيد بضعف سيادة القانون وبالتالي عدم ضمان حقوق الملكية في الدولة مما يجعل للاستثمار مخاطرة غير مأمونة العواقب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تدني الاستثمار المحلي والأجنبي فيتأثر النمو الاقتصادي سلبا (استثمار منخفض يعني نمو منخفض).

- تدني مستويات المنافسة والكفاءة والابتكار: حيث أن تفشي ظاهرة المدفوعات غير القانونية تغيب معه المنافسة النزيهة بين الشركات في ظل سوق واحدة، الأمر الذي يخلق عراقيل كبيرة أمام الشركات الجديدة للدخول إلى تلك الأسواق، فتختفي الشركات ذات الأفضلية وتسود الشركات ذات المحسوبية وينتهي الأمر بالمستهلك إلى دفع سعر أعلى مقابل جودة أقل.

وكذلك من آثار الفساد الاقتصادية نجد تأثيره على القطاع الضريبي، الانفاق الحكومي، سوق سعر الصرف، ونوجز هذه الآثار في الآتي:

-أثر الفساد على القطاع الضريبي

يترتب على الفساد في مجال القطاع الضريبي أثاًراً خطيرة، يمكن أن نشير إلى بعضها:

- عندما يكون هناك فساد في القطاع الضريبي فإن هذا يدفع البعض إلى تقديم إقرارات ضريبية تظهر وعاءً ضريبياً غير حقيقي لهؤلاء الأفراد وبهذه الطريقة يتمكنون وبطريقة زائفة من إظهار مقدرة منخفضة مقارنة بمقدرتهم الحقيقية، في حين لا يستطيع الممولون الأمناء من تخفيض هذه المقدرة بنفس الطريقة، فإذا عومل الاثنان وهو من يقدم إقرارات صحيحة ذات مقدرة حقيقية على الدفع، ومن يقدم إقرارات مزيفة لا تعكس مقدرته الحقيقية على الدفع، معاملة ضريبية واحدة فإن هذا يعني إخلال الفساد بمبدأ العدالة الأفقية،

التي تقوم على أساس معاملة ضريبية متماثلة للأفراد ذوي القدرة المتساوية على الدفع. ومن جانب آخر فإن هذا يعد إخلالاً بمبدأ العدالة الرأسية التي تقتضي معاملة ضريبية مختلفة للأفراد ذوي القدرة المختلفة على الدفع. مما يترتب عليه في النهاية إخلال الفساد بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة؛   - يترتب على ممارسات الفساد في القطاع الضريبي مقدرة زائفة على الدفع للأفراد المنهمكين في ممارسات الفساد، مما ينجم عن هذه الممارسات وانتشارها على نطاق واسع انخفاض زائف في الطاقة الضريبية للمجتمع ككل، فإذا كان صانع السياسة المالية سيضع حجم الإيرادات الحكومية، ويخطط الحجم الإنفاق الحكومي على أساس الطاقة الضريبية الزائفة، فإن السياسة الاقتصادية لن تستطيع تحقيق ما ينشده المجتمع من أهداف مختلفة، سواء ما يتعلق منها بتحقيق النمو الاقتصادي، أو تمويل الإنفاق العام، أو تمويل الخدمات الاجتماعية العامة أو الجديرة بالإشباع التي لم يتم إشباعها بالقدر المرغوب اجتماعياً، وأمام هذا الوضع تجد الدولة نفسها مضطرة للتخلي عن بعض الأهداف التي وعدت المجتمع بإشباعها.

- أثر الفساد على الإنفاق الحكومي

يترتب على الفساد الممتد وانتشاره في القطاع الحكومي آثار على تخصيص النفقات العامة، مما يؤدي إلى تحقيق أدنى نفع ممكن من هذا الإنفاق وليس أقصى نفع ممكن منه. ويمكن تلخيصها في الآتي:

يترتب على شيوع الفساد وانتشاره في مجتمع ما، سوء تخصيص لموارد هذا المجتمع العامة، لأنها سوف تتجه صوب أوجه الإنفاق التي لا تحظى بأولوية الإنفاق العام من وجهة نظر المجتمع. ومن ثم ستحظى الأنشطة المظهرية كالأنشطة الرياضية والأندية ووسائل الإعلام ونحو ذلك بإنفاق سخي وفي مقابل ذلك سيتم إغفال الكثير من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الهامة، أو يكون الإنفاق عليها ليس بالدرجة الكافية ،كالإنفاق على القطاع الزراعي والصناعي، أو الإنفاق على تحسين مستوى المناطق النائية؛

كما أن تنفيذ المشروعات العامة والمناقصات ستتميز بدرجة عالية من التميز وعليه سيتم استيراد المواد الخام ومواد البناء والآلات ونموه، من بلاد أجنبية معينة، في حين قد لا تكون هذه السلع المستوردة من هذه البلاد جيدة أو رخيصة مقارنة بغيرها من المصادر المتاحة؛

كما أن المناقصات والمشروعات الهامة سترسو على شركات معينة مملوكة لأصحاب نفوذ وجاه بالمجتمع.

- أثر الفساد على سوق الصرف الأجنبي 

تقوم الدول عادة بتحديد سعر لعملتها الوطنية مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وتحاول هذه الدول أن يتسم هذا السعر بالثبات على الأقل لفترة معينة، حتى تتمكن من إجراء الإصلاحات الاقتصادية المعينة التي ترغب في تحقيقها، ولكن ممارسات الفساد في سوق الصرف الأجنبي يترتب عليها انقسام هذا السوق إلى سوقين: سوق رسمي يسوده السعر الرسمي للصرف الأجنبي، ويتميز هذا السوق بندرة في الصرف الأجنبي مقارناً بالطلب. وسوق غير رسمي يسوده سعر غير رسمي للصرف أعلى من السعر الرسمي ويتميز هذا السوق بالحركة والنشاط في شراء العرض المتاح من النقد الأجنبي، وتوجيه هذا النقد إما إلى تمويل أنشطة غير مخططة، أو تمويل أنشطة محظورة أو غير مرغوب فيها من وجهة نظر المجتمع، كما لو تم توجيه النقد الأجنبي الذي يتم تجميعه من السوق الرسمي إلى تمويل تجارة المخدرات أو إلى السلع المهربة من الخارج أو إلى الكماليات المستوردة من الخارج ونحو ذلك، مما يفضى في النهاية إلى زيادة عجز ميزان المدفوعات واستمراريته، وربما عدم قدرة الدولة على سداد ديونها ولجوئها إلى الاقتراض من الخارج وهذا مما يجعلها تعيش في دوامة من القروض وما لذلك من آثار سيئة على الاقتصاد.

2- الآثار على المجتمع: إن آثار الفساد الإداري لا تمتد إلى الجوانب السياسة والاقتصادية والإدارية فحسب، ولكن قد تشمل الجانب الاجتماعي فالضرر والإحباط اللذان يصيبان جوانب معنوية في الإنسان ،مثل الكرامة والسمو الروحي والتفاؤل يعدان عقبة تعثر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن إجمال أهم الآثار الاجتماعية للفساد على النحو التالي:

- يساهم الفساد في ارتفاع معدلات الجريمة وينشئ مجتمعا تكون فيه المؤسسات النظامية، والقضائية والتنفيذية غير فاعلة، وفي الأنظمة الفاسدة يتمكن المحتلون وبسهولة من الهروب من العقاب، والفساد لا يؤدي إلى الجريمة السياسية والمؤسسية فحسب بل هو مسئول أيضا عن تعزيز الجريمة المنظمة.

- يساهم الفساد في إضعاف العدالة وانحسارها: حيث يؤدي الفساد إلى تفاقم الفقر وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كما يعمل الفساد على تخفيض إمكانيات كسب الدخل لدى الفقراء بسبب تضاؤل الفرص المتاحة، وكذلك من خلال الحد من الإنفاق على خدمات القطاع العام، وحرمان بعض الناس من الحصول على الحقوق الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، ويؤدي أيضا إلى زيادة كلفة الخدمات الحكومية وهذا بدوره يقلل من حجم هذه الخدمات وجودتها، مما ينعكس سلبا على الفئات الأكثر حاجة إلى هذه الخدمات.

- يؤدي انتشار الفساد إلى تقليص القيم الإيجابية (قيم المصلحة العامة، قيم المشاركة، قيم الانتماء... الخ) واختزالها في قيمة واحدة، وهي قيمة المال الأمر الذي يؤدي إلى انتشار النوازع الفردية، ويعمق مفهوم الحرية الفردية في السلوك الاجتماعي، والتمرد على النظم والأحكام الشرعية وهذا بدوره يؤدي إلى انتشار الرذائل والتحلل الخلقي، وخدش الحياة والكرامة والفطرة الإنسانية؛

- يؤثر الفساد تأثيرا مباشرا على الكفاءة والفعالية: وذلك بإنشائه سلوكا سلبيا حيث يؤدي إلى الحد من عملية الحراك الاجتماعي لانتشار الشعور باليأس والإحباط، وعدم إدانة المسئولين عن الفساد وحمايتهم ،وعدم محاسبتهم، كما يؤدي إلى الانحلال الخلقي بانتشار طرائق الكسب غير المشروع وتفشي الأساليب ألا أخلاقية، والتهرب من المسؤولية، وضياع موازين الرقابة والإشراف، كما يؤدي الانحراف إلى المساس بالأمن والصحة العامة.

- الإخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية: حيث يؤدي الفساد إلى توزيع الحقوق بشكل غير مشروع فنجد من لا يستحق يحصل على ما يشاء بينما يعجز صاحب الحق عن الحصول على حقه في المنافع أو الوظائف وغيرها، وهنا تختفي المعايير الموضوعية لتحل محلها الاعتبارات الشخصية والمصالح المادية المرتبطة بالفساد، وفي مثل هذه الحالات يحدث الإثراء غير المشروع دون وجود ما يؤدي إلى الردع أو الملاحقة. 

- التفاوت الطبقي والصراع الاجتماعي: يؤدي الفساد إلى سيادة الطبقية في المجتمع حيث تصعد فئة جديدة إلى قمة الهرم الاجتماعي نتيجة ما حصلت عليه من دخول أو عائدات غير مشروعة، وعادة ما تنجح هذه الفئات في الوصول إلى علاقات وطيدة مع كبار المستثمرين ورجال المال والأعمال بل وعلاقات نسب ومصاهرة فضلا عن التقرب إلى كبار المسؤولين وصناع القرار في المجتمع، وهذا ما يؤدي إلى حدوث صراع طبقي ولجوء الطبقة الفقيرة إلى العنف الاجتماعي ضد الأثرياء بصفة عامة والأثرياء الجدد بصفة خاصة.

- انهيار القيم والمبادئ الأخلاقية: يؤدي الفساد إلى التخلي عن المبادئ والقيم الأخلاقية من أجل الحصول على منافع مادية بدون وجه حق، فتصبح أنواع الفساد مهارة بينما يصبح الاجتهاد والتمسك بالدين والقيم الأخلاقية السليمة تخلفا أو جمود في الفكر والسلوك، ويزداد الأمر خطورة عندما يشب العديد من النشئ والشباب على هذه القيم والأفكار المغلوطة مما يؤدي إلى عدم الاهتمام بالعمل والعلم والتعليم والاجتهاد كوسيلة للكسب والحصول على الدخل ومنه شيوع قيم الفساد.

- تبديد المساعدات الإنسانية والدعم الموجه للفقراء: يؤدي الفساد إلى عدم تحقيق أهداف المؤسسات المحلية والدولية التي ترصد مبالغ مالية لمساعدة الفقراء أو دعم السلع والخدمات التي يحتاجون إليها حيث يلتهم الفساد الجزء الأكبر من هذه الأموال والمخصصات فلا تذهب إلى من يستحقها، حيث نجد بعض الفاسدين الذين يتاجرون بالسلع المدعمة يعملون على إخفاء هذه السلع من الأسواق، ولا يصل الدعم الذي تخصصه الحكومات لمحدودي الدخل والفقراء فيحقق الفاسدون ثروات طائلة من سلوكهم الفاسد، ويحدث نفس الشيء بالنسبة للأموال والتبرعات التي ترصدها مؤسسات الإغاثة العالمية لرعاية الفقراء والإنفاق على الصحة والتعليم.

- خفض التوظيف: يؤدي انتشار الفساد إلى وضع العراقيل أمام التوسع في إنشاء المشروعات الخاصة وزيادة تكاليف ممارسة الأعمال، ويقع الضرر هنا على المشروعات الصغيرة بصورة خاصة أكثر من غيرها الأمر الذي يؤدي إلى التقليل من فرص العمل بالقطاع الخاص ذلك أن هذه الشركات على الأرجح لن تتمكن من الظهور.

- تزايد الفقر: يرى الكثير من الخبراء الاقتصاديين أن هناك علاقة وثيقة بين الفساد وانتشار الفقر بالدول حيث يؤدي الفساد إلى التوزيع غير العادل للثروة ويقلل من احتمالات الكسب بالنسبة للفقراء نتيجة قلة فرص العمل بالقطاع العام أو الخاص، كما يحد من إمكانية حصولهم على خدمات عامة جيدة مثل الرعاية الصحية والتعليم.

- سوء الإدارة العامة: يؤدي تفشي الفساد إلى سيادة البيروقراطية في الإدارة العامة وانخفاض الأداء الوظيفي وهذا بالتماطل في تقديم الخدمات مع انتشار التسيب والإهمال، الأمر الذي ينعكس على معاناة واستياء طالب الخدمة.

3 - الآثار على السياسة: للفساد آثار سلبية على الجانب السياسي للدولة يمكن إجمالها فيما يلي: 

- استفحال ظاهرة الفساد في الدولة وعدم بذل المسؤولين جهود ملموسة لمكافحتها يجعل الشعب يفقد الثقة في حكومتها.

- التزوير في الانتخابات وعدم تمثيل الرئيس المنتخب لأغلبية المجتمع يؤدي إلى ضياع الحريات الديمقراطية للشعوب.

- انتشار الفساد في بلد ما يؤدي إلى تشويه صورة ذلك البلد أم بلدان العالم، فلا يصبح له أي وزن أو قيمة في المنظمات والمحافل الدولية.

- قد يساهم الانحراف الإداري في تعميق الفجوة بين الطبقات والجماعات الغنية، وبين الطبقات والجماعات الفقيرة في المجتمع، مما يؤدي ذلك إلى تزايد شعور الطبقات الجماعات الفقيرة بالحرمان، وقد لا تجد أمامها سوى الالتجاء إلى العنف والثورة على النظام القائم، وهذا الوضع مساعد على عدم الاستقرار السياسي؛

- إن انتشار الانحراف في الأجهزة الحكومية يسهل للقوى المعارضة الإطاحة بالنظام والاستيلاء على السلطة، ذلك لأن الاستياء الجماهيري من الحكم القائم والانحراف المنتشر داخل أجهزته ومنظماته الإدارية، يخلق فجوة بين الجماهير والحكومة، ويعمل على مساندة الجماهير للمعارضة للإطاحة بالنظام السياسي القائم؛

- يساهم الفساد الإداري في إضعاف المشاركة السياسية التي تقتصر فقط على الجماعات التي تملك الثروة وركائز القوة الاقتصادية، التي تمكنها من إقامة علاقات خاصة مع القيادات السياسية والإدارية؛

- يساهم تفشي الانحراف والفساد الإداري في الأجهزة الحكومية والإدارية في أن يقلل من شرعية النظام السياسي في نظر الجماهير، حيث يدرك المواطنون أن الموظفين الحكوميين على مستوياتهم المختلفة، مجرد عناصر متورطة في الفساد ولا يعنيها سوى تحقيق مصالحها الخاصة، ونتيجة لذلك الإدراك يكون النظام السياسي محروما من الناحية الواقعية من أي مساندة شعبية، بل تظهر السلبية وعدم إقبال المواطنين على التعاون مع النظام القائم وزيادة وتمسكت بولاته المحدودة كالأسرة والعشيرة لحمايته من ضغوط المجتمع، وفقدان المواطن للثقة في السياسات العامة واكتسابه المزيد من الميول والأنانية.

4. الآثار الإدارية للفساد 

هناك العديد من الآثار الإدارية السلبية للفساد الإداري التي يمكن أن تشملها النقاط التالية:

- قد يؤدي الانحراف الإداري في الكثير من أجهزة الإدارة في الدول النامية إلى خلق علاقة سيئة بين طبقة الموظفين ورؤوسهم في العمل، حيث تقوم هذه العلاقة على استبداد الرؤساء للسلطة وعدم ثقتهم بمرؤوسيهم، وعدم تفويض السلطة، مما يترتب عليه تركيز السلطة واتخاذ القرار في أيدي قليلة من الأفراد، مما ينتج عن ذلك عدم المرونة في مواجهة المواقف وحل المشكلات الأمر الذي يؤدي إلى التعطيل والبط في تقديم الخدمات؛

- كما يؤدي الانحراف الإداري أيضا: إلى انعدام الكفاءة الإدارية في الأجهزة الإدارية في الدول النامية، فنجاح الإدارة وكفاءتها في أي دولة يتوقف أساسا على مراعاة الموضوعية وتوافر الخصائص المؤهلات والميزات المطلوبة عند التعيين والموضوعية عند اتخاذ القرارات، وهذا لا يتوفر في العديد من الدول النامية، حيث التعيين في الأجهزة الإدارية الحكومية تعمد على علاقات القرابة أو الصداقة. وهذا هو أحد أسباب تعثر النشاط الإداري الحكومي في مجالات التنمية المختلفة وتدهور نوعية الإنتاجية وما يعنيه من انخفاض الكفاءة؛

- يساعد الانحراف الإداري المتفشي بين أجهزة الإدارة العامة في الدول النامية إلى هجر القيادات الإدارية وأصحاب الخبرات والكفاءات العلمية والفنية من الدول النامية إلى الدول المتقدمة والفنية،

- يؤدي الانحراف الإداري في كثير من الأحيان إلى افتقاد أسس العدالة والموضوعية في تعامل الأجهزة الإدارية مع المواطنين، وتعمد الإساءة لشعورهم والسخرية منهم، وٕإيلامهم بطريقة تزيد من غضب المواطن ونفوره من هذه الأجهزة، وعدم ثقته بها، وعدم احت ارمه للنظام الإداري.

المطلب الثاني: الموظف العمومي كطرف في جرائم الفساد 

تعتبر صفة الموظف العمومي في جرائم الفساد ركنا أساسيا لقيام جريمة من جرائم الفساد المنصوص عليها في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، لهذا نجد بأن المشرع الجزائري قد وسع من نطاق صفة الموظف العمومي ليشمل عدة أشخاص قد لا تتوافر فيهم صفة الموظف العمومي وفقا للقانون الأساسي للوظيفة العمومية.

والعلة التي توخاها المشرع من ذلك هو توفير أكثر حماية للمصلحة العامة، بغية ضمان حسن السير الطبيعي للعمل الوظيفي الذي يشغلونه، سواء على مستوى المؤسسات العامة أو الهيئات الإدارية. لأن أي فعل إجرامي صادر من الموظف العمومي مكيف على أنه جريمة من جرائم الفساد حتما سوف يؤثر على المصلحة العامة هذا من جهة.

ومن جهة ثانية أنه طالما الموظف العمومي يشغل مناصبا في مؤسسة عمومية أو هيئة عمومية ويمثل السلطة العامة في أحد وظائفها، فإنه يجب عليه عدم الإخلال بالواجبات الملقاة عليه والتحلي بروح الثقة الموضوعة فيه، وأن يكسب العامة عدالة الدولة ونزاهتها في حيادها وشرعية أعمالها، من خلال تصرفاته الصحيحة وفقا لما ينص عليه القانون أو التنظيم المعمول به.

ومن جهة ثالثة أنه في حالة ما إذا أساء الموظف العمومي للوظيفة التي يشغلها على نحو مخالف للقوانين سوا لتحقيق مصلحة خاصة له أو لغير، بأن ارتكاب جريمة من جرائم الفساد، كالرشوة أو إختلاس أموال عامة أو إستغلال الوظيفة، إستحق العقاب، لكن يجب أن يتوافر في الفعل الإجرامي أركانه، الركن المادي والمعنوي، والركن المفترض وهو صفة الجاني، (موظف عمومي)، ومختصا بالوظيفة التي يشغلها، وأن تكون له صفة موظف وقت إرتكاب الفعل الإجرامي.

الفرع الأول: تعريف الموظف العمومي في جرائم الفساد

تعتبر جرائم الفساد من جرائم ذوي الصفة، والتي لا يتصور وقوعها إلا إذا توافرت في فاعلها الصفة التي يتطلبها القانون، فهي من هذه الناحية جريمة موظف عام ولا يمكن أن يرتكبها غيره، وبالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يكون هذا الموظف مختص للقيام بالعمل الذي طلب منه أدائه.

لقد حاول بعض الفقهاء تحديد مدلول الموظف العمومي في القانون الجنائي وذلك بإعطاء له مفهوم واسع عما هو معروف في القانون الإداري، بالقول بأنه كل شخص تخوله الدولة إحدى سلطاتها بغض النظر إن كان يتلقى أجرا أو بدون أجر مؤقتا أو دائما.

غير أن المشرع الجزائري عرف الموظف العمومي في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته متأثرا بما جاء به الفقه، وهذا ما جاء في المادة 2 الفقرة ب، بقولها:

1- كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا أو في إحدى المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معينا أو منتخبا دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته.

2- كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتا وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر، يساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية.

3- كل شخص آخر معرف بأنه موظفا عموميا أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما.

لقد حدد المشرع طائفة معينة من الهيئات التي قد يشتغل فيها الشخص بصفة دائمة أو مؤقتة بأجر أو بدون أجر، وأطلق عليه صفة الموظف العمومي، وهذه الهيئات هي على النحو الآتي:

ويختلف مدلول الموظف العام في نطاق القانون الإداري عنه في القوانين الأخرى كالقانون الجنائي، إذ تقوم فكرة الموظف في القانون الإداري على إعتبارات أساسها الصلة القانونية بين الموظف والدولة ،فالعلاقة بين الطرفين علاقة تنظيمية تحكمها القوانين والأنظمة التي تحدّد بموجبها القواعد التي تحكم شؤون الوظائف والموظفين، ولكن القانون الجنائي قد وسّع في هذا المدلول وأضاف على مفهومه في القانون الإداري مفهوما آخر أكثر إتساعا، سواء كان الشخص يعمل في مرفق عام تملكه الدولة، أو شخص معنوي عام آخر، على نحو ثابت ومنتظم أو نحو عارض ومؤقت وسواء كان يمارس عمله في مقابل راتب دوري أم لا، أو حتى بدون مقابل وسواء كان إختصاصه مستمدا من القانون مباشرة أو بطريق غير مباشر، فهو في  كلّ الحالات يرتبط بالدولة برابطة قانونية تجعله يساهم في تسيير الإدارة العامة من أجل تحقيق الصالح العام، ذلك أنّ تحديد هذا المفهوم مرتبط بشكل أساسي بما يهدف إليه من وراء تجريم فعل الرشوة.

فقد جاءت المادّة 2 فقرة ب من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته وقامت بتعداد الأشخاص الذين يصدق عليهم وصف الموظف العام، وهذا على عكس إتفاقية الأمم المتحدّة التي تطرقت إلى المقصود بالموظف العام في الفقرة أ من المادّة 2، فبالإضافة إلى الموظف العام بالمعنى الكلاسيكي والمنصوص عليه في قانون الوظيفة العامة طبقا للمادّة 4 منه، والذي عرّفته كما يلي:  "يعتبر موظفا كل عون عيّن في وظيفة عمومية دائمة ورسم في رتبة في السلم الإداري"، أضافت المادّة 2 فقرة ب من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته ثلاث فئات تدخل ضمن مفهوم الموظف العمومي وهي: فئة المناصب (أولا) ، كلّ من يتولى وظيفة أو وكالة في مرفق عام أو في مؤسسة عمومية أو ذات رأسمال مختلط ( ثانيا) ، الموظف ومن في حكمه (ثالثا).

أولا: فئة المناصب

تشمل هذه الفئة كل شخص يشغل منصبا تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا سواء كان معينا أو منتخبا دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر وبصرف النظر عن رتبته أو أقدميته، فهذه الفئة تظم السلطات الأساسية في الدولة: الهيئة التشريعية، التنفيذية، الإدارية، القضائية، وتتمثل فيما يلي:

أِ- أعضاء اِلسلطة اِلتشريعية: وهم أعضاء المجلس الشعبي الوطني، وأعضاء مجلس الأمة، يضاف إليهم أعضاء المجالس المحليّة البلدية والولائية، فيمكن لهؤلاء إستعمال سلطتهم لتحقيق مزايا غير مستحقة، كل شخص يعمل لدى هيئة تشريعية يعتبر موظفا عاما وتنطبق عليه أحكام جرائم الفساد في القطاع العام، ويقصد بذلك جميع نواب البرلمان بغرفتيه، المجلس الشعبي الوطني، مجلس الأمة. سواء منتخبا أو معينا. 

ب- أعضاء اِلسلطة اِلتنفيذية: يقصد بذلك كل شخص يتولى منصبا تنفيذيا، إبتداء من رئيس الجمهورية، إلى الوزير الأول، إلى أعضاء الحكومة (الوزراء والوزراء المنتدبون)، بغض النظر عن طريقة تعيينهم أو الإجراءات المتبعة في حقهم في حالة إرتكاب جريمة من جرائم الفساد المنصوص عليها في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.

والأصل أن لا يسأل رئيس الجمهورية عن الجرائم التي قد يرتكبها بمناسبة تأدية مهامه ما لم تشكل خيانة عظمى، ويحال في هذه الحالة إلى المحكمة العليا للدولة المختصة دون سواها بمحاكمة رئيس الجمهورية، في حين تجوز مساءلة أعضاء الحكومة عن جرائم الفساد أمام المحاكم العادية وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 537 وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية.

جِ- الهيئة القضائية: يقصد بهم الأشخاص الذين يشتغلون في الجهات القضائية وهم القضاة بمختلف درجاتهم ورتبهم، سواء قضاة حكم أو نيابة عامة، وسواء معينون على مستوى المحاكم الإبتدائية أو المجالس القضائية أو المحكمة العليا أو قضاة مجلس الدولة أو قضاة المحكمة الإدارية وكذا القضاة المعينون في الهيئات الإدارية.

د- أعضاء اِلسلطة اِلإدارية: تضم فئة المناصب الإدارية كل من يعمل في إدارة عمومية سواء كان دائما في وظيفته أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته، وينطبق هذا التعريف على فئتين هما:

الفئة – الأولى: الموظفين الذين يشغلون مناصبهم بِصفة دِائمة

ويقصد بهم الموظفون كما عرفهم القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية بموجب المادة الرابعة منه ويستخلص من خلال ذلك أنّ الشخص لا يكتسب صفة الموظف إلا بتوافر ثلاثة شروط وهي:

اِلشرط اِلأول: أن يكون العمل القائم به الموظف دائم فهذا الشرط له جانب موضوعي يتعلق بالوظيفة نفسها هو أن تكون الوظيفة التي يشغلها الشخص دائمة، وجانب آخر شخصي هو أن يقوم الشخص بالعمل على سبيل الدوام وٕإلا إنتفت صبغة أو صفة العمومية عن الموظف وعن الوظيفة أيضا.

اِلشرط اِلثاني: أن يكون معيّنا في وظيفة عمومية في مرفق إداري تديره الدولة، معنى أن يمارس نشاطه في مؤسسة أو إدارة عمومية تديرها الدولة مباشرة أو أحد أشخاص القانون العام وتهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، ولقد بيّنت الفقرة الثانية من المادّة الثانية من الأمر رقم 03 - 06 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية المقصود بالمؤسسات والإدارات العمومية وهي: "المؤسسات العمومية، والإدارات المركزية في الدولة والمصالح غير الممركزة التابعة لها، والجماعات الإقليمية والهيئات العمومية ذات الطابع الإداري، والمؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والثقافي والمهني والمؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي، وكل مؤسسة عمومية يمكن أن يخضع مستخدموها لأحكام هذا القانون الأساسي".

الشرط اِلثالث: أن يعين الموظف بأداة قانونية ومن سلطة مختصة بالتعيين أي أن يتم تعيين الشخص في الوظيفة بأداة قانونية سليمة ومن سلطة تملك ذلك، أي أن يكون إلتحاق الشخص بالعمل قد تم على وجه قانوني وفقا للقواعد المنظمة للوظيفة العامة ذلك أن الإدارة العامة في الجزائر ليست حرة في

إختيار من تراه مناسبا لتولي الوظيفة العام، ما يعني أنّه لا بد من إتباع جملة من الإجراءات لاختبار الموظفين العموميين.

وقد تكون الأداة القانونية في شكل مرسوم رئاسي أو تنفيذي أو في شكل قرار وزاري أو ولائي أو في شكل مقرر صادر عن سلطة إدارية.

2.الفئة - الثانية: العمال الذين يشغلون مناصبهم بصفة مؤقتة

ويقصد بهم عمال الإدارات والمؤسسات العمومية الذين لا تتوفر فيهم صفة الموظف، بمفهوم القانون الإداري.

يشمل مصطلح الشخص الذي يشغل منصبا إداريا بمفهوم قانون مكافحة الفساد الموظفين العاملين في الإدارات والمؤسسات العمومية والعمال المتعاقدين والمؤقتين العاملين في الإدارات والمؤسسات العمومية.

 دِ- أعضاء اِلمناصب اِلقضائية: وهم الذين عرفهم القانون الأساسي للقضاء ويتمثلون في: القضاة التابعون لنظام القضاء العادي، سواءا تعلق الأمر بقضاة الحكم، والنيابة للمحكمة العليا والمجالس القضائية والمحاكم، وكذا القضاة العاملين في الإدارة المركزية لوازرة العدل. والقضاة التابعون لنظام القضاء الإداري، وهم قضاة مجلس الدولة والمحاكم الإدارية.

ويستثنى من هؤلاء قضاة مجلس المحاسبة، قضاة المجلس الدستوري وقضاة مجلس المنافسة، كما يضاف إلى من يشغلون مناصب قضائية كل من: المحلفون المساعدون في محكمة الجنايات والمساعدون في القسم الإجتماعي وفي قسم الأحداث، والذين يمارسون صلاحيات القضاء.

ثانيا: كلّ مِن يِتولى وِظيفة أو وكالة في مرفق عام أو في مؤسسة عمومية أو ذات رأسمال مختلط

يتعلق الأمر بالعاملين في الهيئات العمومية أو المؤسسات العمومية أو في المؤسسات ذات رأس المال المختلط أو في المؤسسات الخاصة التي تقدم خدمة عمومية والذين يتمتعون بقسط من المسؤولية، كأن تسند للجاني مهمة معينة أو مسؤولية من رئيس أو مدير عام إلى رئيس مصلحة أو يتولى وكالة: مثل أعضاء مجلس الإدارة في المؤسسات العمومية الإقتصادية بإعتبارهم منتحبين من قبل الجمعية العامة.

ثالثا: كل شخص معرف بأنه موظفا عموميا أو من في حكمه

يقصد بذلك بكل شخص آخر معرف بأنه موظفا عموميا أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما، يتولى وظيفة بأجر أو بدون أجر، ويدخل في هذا الإطار كل شخص وتحت أي تسمية يتولى وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر تتعلق بالسلطة العامة، وينطبق ذلك على المستخدمين العسكريين والمدنيين للدفاع الوطني والضباط العموميين، فالمستخدمون العسكريون والمدنيون للدفاع الوطني لقد تم إستثناؤهم من تطبيق أحكام الأمر رقم 03 - 06 المتضمن تنظيم القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية.

أمّا الضباط العموميون فلا يشملهم تعريف الموظف العمومي كما جاءت به المادة 2 /1 و2 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، كما لا يشملهم تعريفه الوارد بموجب الأمر 03 - 06 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العامة، لكن يمكن إدراجهم ضمن من في حكم الموظف كونهم يتولون مهاما بتفويض من السلطة العمومية لذا يتعلق الأمر: بالموثقين، المحضرين القضائيين محافظي البيع بالمزايدة.

ويكون بذلك المشرع قد عاد إلى المفهوم التقليدي للموظف العمومي في جرائم الفساد في القطاع العام ،ووسع من نطاق صفة الموظف العمومي لتشمل كل شخص يقوم بخدمة عامة، ومن بينهم الأشخاص الذين يحملون صفة الضابط العمومي، كالموثق والمحضر والمترجم الرسمي ومحافظ البيع بالمزاد العلني، فهم يعملون لحسابهم الخاص، لكن يقومون بخدمة عامة ويحملون أختام السلطة العامة والمجندون العسكريون والخبراء والمحلفين والأطباء وغيرهم.

وتجدر الإشارة إلى أنه في ظل قانون العقوبات (المادّتان 126  و126مكرر) كانت صفة المرتشي تنحصر في: الموظف العمومي ومن في حكمه، ذو الولاية النيابية، المحكم، الخبير، المحلف، العضو في جهة قضائية، الطبيب، الجراح، طبيب الأسنان والقابلة، والقضاة.

وبالتالي ما يمكن ملاحظته أنّ قانون الوقاية من الفساد ومكافحته جاء أدق  وأوسع مما كان وارد في قانون العقوبات، مثل إدراجه ضمن مفهوم الموظف من يتولى وظيفة مؤقتة أو من يتولاها بدون أجر، إلا أنّه مجرد وجود قواعد قانونية جامدة وحده لا يكفي، بل لابدّ من تفعيلها وتطبيقها من أجل الحدّ من الفساد والقضاء على شتى أشكاله.

بالإضافة إلى الشروط المتعلقة بالوظيفة، يجب أن يكون الموظف مختص للقيام بالعمل الذي طلب منه أو ليمتنع عنه، سواء كان هذا الإمتناع كليا أو جزئيا، معناه أن يكون هذا العمل من الصلاحيات والإختصاصات القانونية للموظف، بغض النظر عمّا إذا كانت هذه الصلاحية بتفويض قانوني أو بتكليف صادر من رئيس مختص سواء كان ذلك شفهيا أو كتابيا.

غير أنّه يجب أن يكون الإختصاص مقيدا بالمكان الذي يمارس فيه الموظف وظيفته، فإذا كانت الصلاحية محدّدة قانونا بإقليم بلدية ما أو إدارة ما، فما يقوم به الموظف خارج ذلك النطاق يفسد الشرط ولا تقع الرشوة به ،وٕإختلفت القوانين حول ما إذا كان الموظف مختص في هذه الحالة أم لا ،وهو موضوع سكت عنه المشرع الجزائري.

يتضح لنا من خلال نص المادة الثانية 2 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته أن المشرع الجزائري حاول أن يوسع من مفهوم الموظف العمومي بالنسبة لجرائم الفساد في القطاع العام، بخلاف عما هو منصوص عليه في القانون الإداري، وبالذات في القانون الأساسي للوظيفة العمومية.

والعلة التي توخاها المشرع من وراء التوسع في مفهوم الموظف العمومي هو توفير أكثر حماية للمصلحة العامة من أي إعتداء قد يقع عليها، لهذا كان من الضروري حماية المؤسسات والإدارات العمومية ومعاقبة كل موظف وتحت أية تسمية يرتكب إحدى جرائم الفساد هذا من جهة.

ومن جهة ثانية أن النظرية الجنائية تشمل النظرية الإدارية في تحديد الموظف العمومي، ولكن لا تقف عندها، بل كل ما يعد موظفا عاما وفقا للقانون الإداري، فإنه حتما هو كذلك في نطاق القانون الجنائي، ولكن هنالك عدة أشخاص يشتغلون مناصب معينة ولا يعتبرون في القانون الإداري موظفون عموميون إلا أنه وفقا لقانون الفساد هم عكس ذلك.

لقد حاول المشرع الجزائري محاربة الفساد في القطاع العام بشتى الوسائل القانونية سواء من حيث التجريم أو العقاب أو المتابعة، بغية المحافظة على الصالح العام، هذا ما جعله يخلص إلى تعريف الموظف العام في القطاع العام ليشمل عدة أشخاص قد لا تتوافر فيهم صفة الموظف وفقا للقانون الأساسي للوظيفة العمومية.

بناء على ذلك يكون المشرع قد سلك مسلك التشريعات الجنائية الأخرى التي تطبق قاعدة النظرية الشخصية بصفة مطلقة في القانون الجنائي، وفحوى هذه القاعدة أن المشرع هو الذي يتولى تحديد مدلول الموظف العمومي بعيدا عن مفهومه في القانون الإداري، ويكون هذا التعريف هو السائد في مختلف جرائم الفساد في القطاع العام.

الفرع الثاني: الشروط الواجب توافرها في الجاني في جرائم الفساد 

إن المصلحة المحمية في جرائم الفساد في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هي ضمان حسن السير الطبيعي للعمل الوظيفي للمؤسسات العمومية وهيئات العامة وما تفترضه تلك الحماية من وجوب عدم إخلال هؤلاء الأشخاص الذين يحملون صفة خاصة بالواجبات الملقاة عليهم وحفظ الأمانة المعهودة إليهم، إذ أنه يمثل الدولة أمام العامة، وبالتالي يجب عليه أن يتحلى بالإخلاص والتفاني في العمل وأن يكسب الشعب عدالة الدولة وحيادها وشرعية أعمالها، وذلك من خلال تصرفاته النزيهة والموضوعية وفقا لما تنص عليه القوانين واللوائح بعيدا عن كل غرض شخصي. لأن إستغلال الموظف العمومي لوظيفته للحصول على مآرب شخصية لمصلحته أو لمصلحة الغير ينجر عنه حتما إخلال بالثقة العامة التي يوليها الأشخاص في الدولة وأجهزتها سواء الإدارية أو الإقتصادية. كما أن ذلك يعد إخلالا بالأمن العام. 

جرائم الفساد المرتكبة من قبل الموظف في القطاع العام المنصوص عليها في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هي جريمة الموظف العام (un délit de fonction )، حيث لولا الصفة التي يتمتع بها الشخص قانونا ما إرتكب إحدى جرائم الفساد بالنظر إلى جوهرها غير أن البعض إنتقد هذه الفكرة بالقول أن صفة الموظف العمومي في جرائم الفساد هي إحدى الأركان الأساسية لجريمة من جرائم الفساد وليست جريمة الموظف العام.

وعليه لقيام جريمة الفساد في القطاع العام لا بد من توافر صفة الموظف العمومي كركن أساسي من أركان الجريمة، إلى جانب توافر الركن المادي والركن المعنوي، وما يهمنا هنا صفة الجاني في جرائم الفساد، لهذا يتعين علينا تحديد صفة الموظف العمومي أولا، وثانيا الشروط الواجب توافر في الجاني.

إن الموظف العمومي في القطاع العام حتى يمكن متابعته على أساس جريمة من جرائم الفساد وفقا لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته لا بد من توافر جملة من الشروط هي على النحو الآتي:

أولا: يجب توفر صفة الموظف العمومي:

إن شخص حتى يمكن متابعته على أساس جريمة الفساد في قطاع العام لا بد أن يحمل صفة من الصفات المذكورة في المادة الثانية (02) من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية يجب أن يكون الموظف يشتغل لدى إحدى المؤسسات العامة أو الهيئات الإدارية .ولقد عرفت المادة الثانية (02) من القانون الأساسي للوظيفة العمومية المؤسسات والإدارات العمومية بقولها:

"... يقصد بالمؤسسات والإدارات العمومية. المؤسسات العمومية والإدارات المركزية في الدولة والمصالح غير الممركزة التابعة لها والجماعات الإقليمية والمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، والمؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي وكل مؤسسة عمومية يمكن أن يخضع مستخدموها لأحكام هذا القانون الأساس...".

أضف إلى ذلك كل شخص يشتغل في مؤسسة تملك الدولة كل رأسمالها أو ذات الرأس المال المختلط ،وكل شخص في مؤسسة خاصة تؤدي خدمة عامة.

لكن السؤال المطروح ما حكم الموظف الذي تم تعينه في وظيفة معينة وكان تعيينه مخالفا للقوانين واللوائح وٕإرتكب جريمة من جرائم الفساد في القطاع العام؟. يطلق على هذا الشخص عند الفقه والقضاء بالموظف الفعلي، ويقصد به الشخص الذي شاب تعيينه البطلان شكلا أو موضوعا، وقال البعض بأنه الشخص الذي عين تعيينا معيبا أو لم يصدر بشأنه قرار تعيينه على الإطلاق.

وذهب الفقه والقضاء إلى التمييز بين صورتين هما:

الصورة الأولى: هي حالة ما إذا كان تعيين الموظف في الوظيفة التي يشغلها لا يؤثر في عمله ولا تمنعه من الظهور بمظهر الموظف العمومي أمام العامة، عندئذ تسري عليه أحكام جرائم الفساد في القطاع العام. وعلة ذلك هو حماية المصلحة العامة من أي إعتداء قد يقع عليها.

إعتبار الموظف الفعلي في حكم الموظف العام هو تأكيد على الأخذ بالمعيار الموضوعي، والذي بمقتضاه يعد الشخص موظفا بمجرد مباشرة نشاط إداري عام لدى الدولة أو إحدى مؤسساتها لو كان إجراء تعينه باطلا، لأن البطلان في هذه الحالة يتعلق بالعلاقة التنظيمية التي تربط الموظف بالإدارة. وليس له أي تأثير على الغاية التي يهدف إليها المشرع الجنائي وهي المصلحة العامة.

الصورة الثانية: هي إذا كان العيب في التعيين مؤثرا في شغل المنصب، فلا يمكن متابعته على أساس جرائم الفساد وٕإنما على أساس جريمة أخرى إن توافرت شروطها.

ثانيا: أن يكون الموظف العمومي مختصا: 

لا يكفي توافر في الشخص صفة الموظف العمومي، بل لا بد أن يكون الموظف مختصا بالوظيفة المسندة إليه، ومصدر هذا الإختصاص قد يكون القانون أو اللوائح أو التنظيم أو تفويض من الرئيس إلى مرؤوسه، وهنا يجب التمييز بين حالتين هما:

الحالة الأولى: إذا كان الموظف العام مختصا بالوظيفة التي يشغلها وأخل بوجبات الوظيفة بأن إرتكب فعلا إجراميا يدخل في نطاق قانون الفساد إستحق المتابعة الجنائية على جريمة من جرائم الفساد، ففي جريمة إختلاس الأموال العامة يجب أن يكون الموظف مختصا بحيازة المال العام سواء بحكم الوظيفة أو بسببها( المادة 29)، وفي جريمة الرشوة يجب أن يكون الموظف مختصا بالعمل المطلوب منه سواء بأداء عمل أو الإمتناع عن أداء عمل ( المادة25).

وغني عن البيان أن مجرد توقف الموظف العمومي عن أداء العمل المنوط به لا ينفي عنه هذه الصفة. وعلى القاضي أن يقوم بإسناد هذه الصفة على الموظف قبل النطق بالحكم وٕإلا كان حكمه معيبا يستوجب النقض، لأن صفة الموظف العمومي هي ركنا أساسيا في جرائم الفساد في القطاع العام، بإنتفائها تنتفي عن الشخص الجريمة، لكن هذا لا يعني عدم قيام جريمة أخرى توافرت جميع أركانها.

الحالة الثانية: إذا كان الموظف العمومي غير مختص وٕإنما تدخل في عمل موظف آخر وأقحم نفسه فيه خارج عن مجال إختصاص عمله، فهنا الشخص رغم أنه يحمل صفة الموظف إلا أنه لا تسري في حقه جريمة من جرائم الفساد في القطاع العام وٕإنما تنطبق على فعله حكم جريمة من جرائم الأخرى كالسرقة أو النصب أو خيانة الأمانة بحسب الأحوال.

ثالثا: يجب توافر صفة الموظف وقت إرتكاب الفعل الإجرامي:

إن وقت إرتكاب جريمة يعتبر شرطا أساسيا وجوهريا، فهو الوقت الذي من خلاله يمكن إسناد للموظف العمومي جريمة من جرائم الفساد في القطاع العام، وذلك طبقا للقواعد العامة التي تجعل العبرة في ذلك هو بتحديد ما إذا كانت صفة الموظف ملازمة أو غير ملازمة للموظف العمومي، بمعنى آخر هل كانت صفة الموظف العمومي متوفرة أثناء إرتكاب الفعل الإجرامي المكون لجريمة من جرائم الفساد أم لا؟. فإذا تبين أن صفة الموظف العمومي قد ألحقت بالشخص بعد وقوع الفعل الإجرامي فلا يمكن متابعته على أساس جريمة من جرائم الفساد في القطاع العام، وٕإنما على أساس جريمة أخرى توفرت جميع أركانها.

بينما إذا إنقضت عن الشخص صفة الموظف العمومي بعزله أو إستقالته، أو تقاعده، وٕإرتكب جريمة من الجرائم فلا يمكن متابعته أيضا على أساس جريمة من جرائم الفساد في القطاع العام، لأن هذه الأخيرة تشترط صفة الموظف العمومي أثناء إرتكاب الفعل الإجرامي، فالعبرة هو أن تكون الجريمة مرتبطة بالوظيفة لكن ليس بصفة مباشرة، بمعنى آخر أنه لا يلزم أن يكون الفعل الإجرامي قد وقع أثناء تأدية الموظف أعمال الوظيفة بل يكفي أن يكون هنالك إرتباطا نسبيا بينه وبين أعمال الوظيفة.

وما تجدر الإشارة إليه أنه في حالة ما إذا دفع المتهم بإنتفاء صفة الموظف عنه أو بزوال إختصاصه بالوظيفة، وجب التحقق من هذا الدفع الجوهري، فإذا أغفل الحكم تحقيقه والرد عليه كان قاصرا إستوجب النقض، لأنه يشترط توافر الصفة وقت إرتكاب جريمة من جرائم الفساد.

نخلص أن صفة الموظف العمومي في جرائم الفساد بالنسبة للقطاع العام تعتبر ركانا أساسيا وجوهريا ،إذ لو لا الوظيفة التي يشغلها الموظف ما إستطاع أن يرتكب إحدى جرائم الفساد في القطاع العام، هذا ما جعل المشرع الجزائري يحاول في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته توسيع التجريم وتشديد العقاب، خاصة في القطاع العام، كما أنه حدد لنا ما المقصود بالموظف العمومي ليشمل عدة أشخاص سواء يشتغلون في مؤسسة عمومية أو هيئة عمومية، بصفة دائمة أو مؤقتة بأجر أو بدون أجر، وكل شخص يعد في حكم الموظف العمومي يقوم بخدمة عامة، والعلة التي تواخاه المشرع من ذكر هؤلاء الأشخاص هو حماية المصلحة العامة من أي إعتداء قد يقع عليها.

ومع ذلك يمكن القول أن صفة الموظف العمومي تعد ركنا أساسيا وجوهريا في جريمة من جرائم الفساد ،بإنتفائها أو إنقضائها تنتفي قيام الجريمة، إلا أن المشرع لم يكن موفقا في تحديد صفة الموظف العمومي وترك المجال واسعا عندما نص على كل شخص يتولى وظيفة أو وكالة مؤقتة أو دائمة، فقد تلحق صفة الموظف العمومي بأشخاص آخرين لم يذكرهم المشرع في المادة الثانية من قانون الفساد، مما ترك للقاضي السلطة الواسعة في تحديد ما إذا كان الشخص تنطبق عليه صفة الموظف العمومي أم لا، وكان على المشرع أن يحدد هؤلاء الأشخاص الذين يحملون صفة الموظف العمومي في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته بالنسبة للقطاع العام، وذلك حتى لا يترك الباب واسعا لصفة الموظف وٕإحتراما لمبدأ معروف في القانون الجنائي هو مبدأ الشرعية إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون.

المرجع:

  1. د. امحمدي بوزينة آمنة، محاضرات في مقياس مكافحة الفساد، مقدمة لطلبة السنة الثالثة ليسانس، تخصص القانون العام، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، كلية الحقوق والعلوم السياسية القسم العام، السنة الدراسية 2019-2020، ص4 إلى ص36. 
google-playkhamsatmostaqltradent