مفهوم المجتمع الدولي
تعددت تعاريف الفقه لمصطلح المجتمع
الدولي، واتفق غالبيتهم على أنه مجتمع يتكون من كيانات سياسية دولية مستقلة
(المطلب الأول) ويتميز بخصائص متميزة عن المجتمعات الوطنية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: تعريف المجتمع الدولي
يقصد بالمجتمع الدولي مجموع الكيانات
السياسية الدولية المستقلة التي تخضع في علاقاتها القائمة فيما بينها إلى القانون
الدولي، حيث ينقسم إلى أشخاص تتمتع بالشخصية القانونية الدولية، وهي الدول
والمنظمات الدولية الحكومية، وأشخاص أخرى لا تتمتع بهذه الصفة، وهي المنظمات
الدولية غير الحكومية، والحركات الوطنية التحررية، واللجان الوطنية، والمتحاربين
المعترف بهم وغيرها من الكيانات السياسية الدولية المستقلة.
تتميز مختلف هذه الكيانات بالطابع
السياسي، وتختلف فيما بينها من ناحية الشكل الذي يتخذه كل كيان أو من حيث العناصر
التي يتكون منها، ويعتمد كل كيان على حدى على استراتيجية خاصة به لكي يحاول أن
يفرض وجوده ووزنه السياسي في اتخاذ المواقف داخل هذا المجتمع.
كما يتميز المجتمع الدولي بالتطور
المستمر، وذلك ما يتضح من تركيبته التي هي في تركيب ديناميكي مستمر، كما يوضحه
تطور مضمون القواعد التي تحكم وتنظم العلاقات بين الدول واشخاص المجتمع الدولي
المعاصر.
المطلب الثاني: خصائص المجتمع الدولي
بناء على مختلف التعاريف الواردة بخصوص
المجتمع الدولي، نستنتج بأنه يتميز بخصائص متميزة عن المجتمعات الوطنية،
وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي:
الفرع الأول: تشكيل المجتمع الدولي من كيانات سياسية دولية مستقلة لا تخضع لسلطة عليا
يقصد بذلك بأنه لا توجد في المجتمع
الدولي سلطة تعلو سيادة الدول، حيث تعد كل أشخاصه مستقلة عن بعضها البعض، والقانون
الدولي يقر بذلك ويحافظ على هذه الاستقلالية، ولا تعد المنظمات الدولية سلطات ترأس
الدول، حيث لا يمكن أن نتصور بأن منظمة الأمم المتحدة هي التي ترأس العالم.
لأن هذه المنظمات ما هي إلا إطار
التعاون الدولي بين الدول في مجال أو مجالات معينة يحددها الميثاق المنشأ للمنظمة.
الفرع الثاني: غياب قانون دولي ملزم يحكم العلاقات الدولية بين أشخاص المجتمع الدولي ويقرر الجزاء في حالة مخالفتها
لا يقصد بذلك بأن القانون الدولي العام
ليس قانونا، لأن قواعده، تتمي، على غرار القوانين الأخرى، بكونها عامة، ومجردة،
وتهدف إلى كفالة النظام الاجتماعي دوليا، وهي محددة وموجهة إلى أشخاص هذا القانون
بصفاتهم وليس بذاتهم، ويختلف عن القانون الداخلي في كونه قانون ينسق بين علاقات
الدول.
أما عن غياب الجزاء في القانون الدولي يرى
البعض أن الجزاء عناصر نشأة القاعدة القانونية لأنه ليس شرط التكوين القاعدة
القانونية، بل هو شرط لتحقيق فعالية تطبيقها، إذ يأتي في مرحلة لاحقة التكوين
القاعدة القانونية، وإذا كنا نعترف بالوصف القانوني للقاعدة الدولية؛ أي توافر
عنصر الإلزام فيها فإن أساس القوة الإلزامية للقانون الدولي العام هو إرادة الدول،
أي يقوم على رضاء الدول عامة بالخضوع لأحكام القانون الدولي العام ولا تخضع له تلقائيا وإجباريا.
وتعد المسئولية الدولية الجزاء
القانوني الذي يرتبه القانون الدولي العام على عدم احترام أحد الأشخاص لالتزاماته
الدولية، وهي لا تنشأ إلا بين الدول المتمتعة بالسيادة، ويتخذ في القانون الدولي
شكلا مختلفا نوعا ما عن الجزاء في القانون الوطني، حيث غالبا ما يأخذ صورة
الالتزام بالتعويض، في حالة ما إذا نتج عن ارتكاب العمل غير المشروع وقوع ضرر يلحق
بدولة أخرى، أو صورة عقوبات قمعية (عسكرية أو غير عسكرية مثل ما ينص عليه ميثاق
منظمة الأمم المتحدة).
الفرع الثالث: غياب سلطة تشريعية تسن قواعد القانون الدولي
يتميز المجتمع الدولي بغياب سلطة تعلو
سيادة جميع الدول وتضع القوانين التي تحكمه، لهذا السبب يرى البعض أن غياب هذه
السلطة حوله إلى مجتمع فوضوي، إلا أن هذا الرأي لا أساس له من الصحة، فأغلب قواعد
القانون الدولي غير مكتوبة وتنشأ عن طريق العرف أو باتفاق من الدول أو عن طريق
المنظمات الدولية، حيث يتم تدوينها عن طريق تحويل هذه القواعد العرفية غير
المكتوبة إلى قواعد مدونة في شكل مواثيق واتفاقات دون المساس بمضمونها.
الفرع الرابع: غياب قضاء دولي ملزم
لا يقصد بذلك أنه لا يوجد قضاء دولي في
المجتمع الدولي، بل هناك العديد من الهيئات القضائية الدولية، فكل واحدة
منها لها اختصاصات خاصة بها، ومن بينها:
- محكمة العدل الدولية
- المحكمة الجنائية الدولية.
- محاكم حقوق الإنسان (المحكمة
الأوربية المحكمة الإفريقية، والمحكمة الدولية الأمريكية).
يتميز القضاء الدولي، خلافا للقضاء
الوطني، بكونه قضاء اختياريا، ومعنى ذلك أن اختصاصه يخضع لقبول الدول، حيث لا يمكن
له أن ينظر في قضية معينة إلا إذا قبلت الدول أطراف النزاع باختصاصه.
تنطبق هذه القاعدة على جميع الهيئات
القضائية الدولية، فولاية محكمة العدل الدولية مثلا هي ولاية اختيارية، إذ أن قبول
الدول العرض النزاع عليها شرطا أوليا لتقرير ولايتها، وتكون ولايتها جبرية في حالة
ما إذا صرحت الدول الأطراف في النظام الأساسي بأنها تقبل بالولاية الجبرية للمحكمة
في نظر جميع المنازعات القانونية التي تقوم بينها وبين دول تقبل بالالتزام نفسه.
القواعد التي تم الكشف عنها بموجب
توصيات الجمعية العامة نذكر التوصية رقم 2625 (د – 25) المتضمن المبادئ الأساسية
للقانون الدولي التي تمس العلاقات الودية والتعاون بين الدول (27)، وهو ما أكدت
عليه محكمة العدل الدولية.
المرجع
- أ. نجية عراب ثاني، مطبوعة في مقياس المجتمع الدولي، موجهة لطلبة السنة الأولى ليسانس (ل.م.د) حقوق، جامعة أبو بكر بلقايد -تلمسان- الجزائر، السنة الجامعية: 2021-2022، من ص3 إلى ص6.