مذكرة ماستر: سلطة القاضي المدني في تعديل العقد PDF

الصفحة الرئيسية

مذكرة ماستر: سلطة القاضي المدني في تعديل العقد PDF

مذكرة ماستر: سلطة القاضي المدني في تعديل العقد PDF

جامعة عبد الحميد بن باديس - مستغانم

الموضوع: سلطة القاضي المدني في تعديل العقد

مذكرة نهاية الدراسة لنيل شهادة الماستر

من إعداد الطالب(ة): بقلول خيرة

السنة الجامعية: 2024 / 2025

المقدمة

يعد العقد من أهم مصادر الالتزام في القانون المدني، حيث يجسد إرادة الأفراد في إنشاء علاقات قانونية ترمي إلى ترتيب آثار قانونية محددة، وقد حظي العقد بمكانة متميزة في الفقه والقضاء باعتباره وسيلة لتنظيم المعاملات الخاصة وفق ما يختاره الأطراف من شروط وأحكام ضمن الإطار الذي يسمح به القانون.

فالأصل في العقد هو توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني معين ، انسجاما مع مبدأ سلطان الإرادة ، الذي يعد أساسا في تكوين العقد وتنفيذه، والذي كرسه المشرع الجزائري في المادة 106 من القانون المدني بقوله " العقد شريعة المتعاقدين ، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون " مما يفيد بأن الأطراف يلتزمون بما ارتضوه في إطار تعاقدي ، شريطة ألا يتعارض مع النظام العام والآداب العامة.

وقد عرف مبدأ سلطان الإرادة ازدهارا كبيرا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، إذ منح الحرية الكاملة للأطراف في التعاقد وتحديد شكل العقد ومضمونه، بل وحتى في تعديله بعد إبرامه . غير أن هذا المبدأ سرعان ما عرف تراجعا مع تطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحديثة ، وظهور مفاهيم جديدة كالعولمة ، إلى جانب التوسع في العلاقات التعاقدية وتنوعها ، وقد كشف التطبيق الصارم لهذا المبدأ عن آثار سلبية أبرزها اختلال التوازن التعاقدي نتيجة استغلال الطرف القوي للطرف الضعيف بفعل افتراض المساواة بين المتعاقدين، مما أدى إلى تفاوت ملحوظ في المراكز القانونية والاقتصادية بين أطراف العقد أمام هذه المستجدات ، تدخلت التشريعات للحد من إطلاقية مبدأ سلطان الإرادة من خلال وضع استثناءات تضمن التوازن في العلاقات التعاقدية ، وكان ذلك دافعا لإعادة النظر في قواعد هذا المبدأ خصوصا فيما يتعلق بالقوة الملزمة للعقد ، حيث ظهرت أفكار جديدة أبرزها مفهوم التوازن العقدي ، ما دفع بالمشرع والقضاء والمتعاقدين إلى البحث عن آليات قانونية جديدة تحفظ مصالح الأطراف وتضمن استمرار العقد وتحقيق العدالة التعاقدية.

وتجسدت هذه الآليات في مفهوم التعديل، باعتباره إجراء قانونيا يراد به تعديل أحد عناصر العقد أو بنوده، سواء بالزيادة أو النقصان بغية الحفاظ على التوازن العقدي.

وقد نصت المادة 106 من القانون المدني الجزائري على إمكانية تعديل العقد لأسباب يقررها القانون، ما يتيح للمشرع التدخل في بعض الحالات لتعديل العقد رغما عن إرادة الأطراف وهو ما يعرف بالتعديل التشريعي، ومن أمثلته تدخل المشرع لحماية المستهلك عبر وضع حدود للأسعار أو فرض امتداد عقد الايجار حماية للطرف الضعيف ، وهو ما يشكل مساسا نسبيا بمبدأ الحرية التعاقدية باسم النظام الحمائي وتحقيقا للمصلحة العامة.

كما أجاز المشرع استثناء للقاضي التدخل لتعديل العقد حال اختلال التوازن الاقتصادي بين الطرفين وهو ما يعرف بالتعديل القضائي، الذي يتم بناء على سلطة القاضي التقديرية ووفقا لنص صريح في القانون، سواء في مرحلة إبرام العقد إذا شابه استغلال أو إذعان، أو في مرحلة التنفيذ إذا طرأت ظروف استثنائية غير متوقعة تلحق بالمدين خسارة فادحة، أو إذا تضمن العقد شرطا جزائيا مجحفا أو مبالغا فيه.

وقد برزت أهمية هذا الموضوع بشكل عملي وجلي خلال جائحة كورونا (19-COVID) التي اجتاحت العالم منذ أواخر سنة 2019 ، وما خلفته من آثار صحية واقتصادية واجتماعية عميقة، عطلت كثيرا من الالتزامات التعاقدية وأدت إلى استحالة تنفيذ بعضها أو ترتب خسائر فادحة عن تنفيذها. وقد شكلت الجائحة نموذجا واقعيا لتجسيد مفهومي القوة القاهرة والظروف الطارئة، ما دفع بالعديد من المتقاضين إلى اللجوء إلى القضاء طلبا لتعديل العقود أو إعفائهم من تنفيذ الالتزامات.

وهنا برز دور القضاء المدني في الموازنة بين مبدأ القوة الملزمة للعقد من جهة، وظروف استثنائية خارجة عن الإرادة من جهة أخرى عير تفعيل سلطة القاضي التقديرية لإعادة التوازن العقدي وتحقيق العدالة بين الأطراف.

لقد أظهرت الجائحة الحاجة الماسة إلى قراءة مرنة وعادلة لنظرية العقد، وتفعيل آليات التعديل القضائي في مواجهة أزمات غير متوقعة، الأمر الذي يضفي على هذا الموضوع طابعا راهنيا

وواقعيا، ويدعو إلى التفكير الجاد في مدى كفاية النصوص الحالية لمعالجة مثل هذه الطوارئ تكمن أهمية الموضوع في كونه من الموضوعات الدقيقة والحساسة في القانون الجزائري، إذ تثير العديد من التساؤلات وتعد من بين أكثر المسائل تعقيدا ، نظرا لأنها تمثل استثناء على القاعدة العامة المتمثلة في مبدأ سلطان الإرادة. كما له أهمية في تسليط الضوء على حدود مبدأ سيادة الإرادة في العقود، وإظهار كيف يمكن للتعديل القضائي أو التشريعي أن يعيد التوازن التعاقدي، ويحمي الطرف الأضعف، ويضمن استقرار المعاملات ويحقق العدالة التعاقدية في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

اخترت هذا الموضوع لما يتميز به من أهمية نظرية كبيرة داخل إطار القانون المدني، ولأنه يعد من المسائل الدقيقة والمعقدة التي تثير اهتمام الباحثين ، كما أن تناول موضوع سلطة القاضي في تعديل العقد يتيح لي فرصة لتعميق فهمي لمبدأ سلطان الإرادة وحدوده ، وللتعرف على التوازن الذي يسعى المشرع إلى تحقيقه بين حماية حرية التعاقد وضمان العدالة بين الأطراف. وقد جاء اختياري له أيضا رغبة في تطوير قدراتي البحثية والتحليلية في موضوع يعد من أبرز المواضيع المثارة في الفقه والقضاء.

يكتسي موضوع سلطة القاضي في تعديل العقد أهمية موضوعية بالغة، كونه يمس جوهر مبدأ سلطان الإرادة الذي يعد أحد الركائز الأساسية في نظرية العقد ، كما أن هذا الموضوع يثير إشكالات قانونية متعددة تتعلق بمدى مشروعية تدخل القاضي في تعديل الاتفاقات العقدية ، ومدى انسجام ذلك مع القواعد العامة في القانون المدني، تزداد أهمية هذا الطرح مع تزايد الحالات التي يظهر فيها اختلال التوازن بين المتعاقدين مما يجعل من دراسة حدود هذا التدخل القضائي وشروطه وآثاره أمرا ضروريا لفهم التوجهات الحديثة في التشريع والفقه والقضاء لاسيما في ظل تطور العلاقات التعاقدية وتنوعها .

كانت الصعوبات التي واجهتها تتمثل في عدم توفر مراجع ورقية كافية ومتخصصة في مكتبة الجامعة تتناول موضوع البحث بشكل دقيق مما جعلني أعتمد على مصادر أخرى كالمنصات الإلكترونية شملت كتبا قانونية الكترونية ومقالات علمية ومجلات متخصصة وكذا رسائل دكتوراه ومذكرة ماستر ، كما أن موضوع سلطة القاضي في تعديل العقد يعد من المواضيع المشعبة، مما يصعب الإحاطة بجميع جوانبه ضمن مذكرة تخرج واحدة.

وبالرجوع إلى دور العدالة العقدية لا يمكن تحقيق فعاليتها الحقيقية إلا من خلال تمكين القاضي من إحداث التوازن العقدي، باعتبار أن هذا التوازن يدخل ضمن مهامه كقاض مدني، إذ يمكنه بذلك الوصول إلى الحلول التي تراعي مصالح الأطراف المتعاقدة، ومعالجة النزاعات الناشئة عن العقود بما يسهم في الحفاظ على الروابط العقدية، وإعادة التوازن بين الحقوق والالتزامات المتبادلة، ومن هنا تبرز المشكلة التالية:

ما مدى حدود سلطة القاضي المدني في تعديل العقد لتحقيق التوازن بين المتعاقدين؟ وما مدى فعاليتها في مواجهة الظروف الاستثنائية كالقوة القاهرة والغبن والاستغلال؟

وللإجابة على هذه الإشكالية اعتمدنا المنهج الوصفي التحليلي باعتباره الأنسب لدراسة الإطار القانوني لسلطة القاضي في تعديل العقد، إذ يتيح هذا المنهج عرض المفاهيم والنصوص القانونية ذات الصلة، وتحليلها بهدف استنباط النتائج وتفسير الأحكام التي تحكم هذه السلطة في ظل الاجتهادات القضائية والنصوص التشريعية.

ومن أجل تحقيق الهدف الذي نسعى إليه من خلال هذه الدراسة اعتمدنا على خطة مزدوجة مكونة من فصلين، وفي الفصل الأول من بحثنا قمنا بدراسة سلطة القاضي في تعديل العقد في مرحلة إنشائه.

ومن ثم توجه بحثنا في الفصل الثاني نحو دراسة سلطة القاضي في تعديل العقد في مرحلة التنفيذ.

التحميـل  

google-playkhamsatmostaqltradent