مطبوعة في مقياس مدخل للقانون الإداري من إعداد د. عفيف بهية PDF
مقدمة:
تنقسم القواعد القانونية التي تنظم المجتمع إلى فرعين، حيث توجد قواعد القانون الخاص private law وهي القواعد التي تنظم العلاقات التي تنشأ بين الخواص، من أشخاص طبيعيين (أفراد)، أو معنويين خواص.
وتندرج ضمن فروع هذا القانون كل من القانون المدني، القانون التجاري، قانون
الأسرة، قانون العمل..إلخ.
كما توجد قواعد القانون العام Public Law وهي القواعد التي تنظم العلاقة
التي تنشأ بين الدول، أو بين الدولة وهيئاتها العامة، أو بين الدولة والأفراد،
وتظهر فيه الدولة باعتبارها صاحبة سلطة عامة. ويتفرع القانون العام إلى قانون عام خارجي، وقانون عام داخلي.
بالنسبة للقانون العام الخارجي أو ما يعرف بالقانون الدولي العام، فهو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول في وقت السلم أو الحرب، وكذا القواعد المتعلقة بالمنظمات الدولية المعترف بها. أما القانون العام الداخلي فهو مجموعة القواعد القانونية التي تحدده كيان الدولة، وتنظم العلاقة بين الدولة وهيئاتها العامة، أو بين السلطة العامة والخواص، وهو يطبق داخل إقليم الدولة.
ويتضمن القانون العام الداخلي عدة قوانين، أهمها القانون الدستوري، القانون المالي، القانون الدولي العام، والقانون الإداري Administrative Law هذه الدراسة، حيث يعتبر القانون
الإداري فرع من فروع القانون محور العام الداخلي.
هذا، ويرتبط القانون الإداري بالإدارة العامة، حيث يحكمها من مختلف
جوانبها، الأمر الذي يقتضي تحديد مفهوم الإدارة العامة Public Administration. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري لم يضع
تعريفا محددا للإدارة العامة، وذلك بالنظر لخصوصية النشاط الإداري، لاسيما
باعتباره متنوع، ومتطور، مما يجعل تدخل المشرع لوضع تعريف دقيق للإدارة العامة غير منطقي، وخاصة أمام مقتضيات السرعة التي يتطلبها العمل الإداري. هذا مع الأخد بعين الاعتبار اعتماد المشرع الجزائري على معيارين لتعريف الإدارة العامة، حيث يأخذ المعيار العضوي كأصل، والمعيار الموضوعي كاستثناء، وهذا ما يتضح من عدة نصوص قانونية.
أما عن التعريفات الفقهية للإدارة العامة فهي متعددة، على أنها تتفق
غالبيتها من حيث أنها تعتمد في تعريفها للإدارة العامة على أحد المعيارين وهما المعيار العضوي والمعيار الموضوعي.
فيقصد بالإدارة العامة طبقا للمعيار العضوي أو الشكلي، تلك المنظمة أو
الجهاز أو الهيكل، أو الهيئة، أو العضو الذي يمارس النشاط الإداري. كما يقصد بها
تلك الهيئات أو الأجهزة القائمة في إطار السلطة التنفيذية عبر مختلف مستوياتها (الإدارة المركزية والإدارة اللامركزية).
أما طبقا للمعيار الموضوعي أو المادي (الوظيفي)، فيقصد بالإدارة العامة مجموعة الأنشطة والخدمات والأعمال تقوم بها الهيئات الإدارية، من أجل إشباع الحاجات العامة للجمهور والمواطنين، كخدمة التعليم العام والنقل العمومي، والصحة العمومية التزويد بالماء والكهرباء والغاز ... إلخ.
على أن كل معيار من هذين المعيارين هو غير كافي لتحديد معنى الإدارة العامة. لذلك، هناك اتجاه فقهي ينظر للإدارة نظرة شاملة تشمل جانبها الموضوعي الوظيفي، وكذا العضوي.
وقصد التعرف أكثر على مفهوم الإدارة العامة، فإن الأمر يقتضي التمييز بينها وبين النشاطات المشابهة. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى التمييز بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة (Private Administration). فمن حيث أوجه التشابه بينهما، فيكمن من حيث أن الوظائف الإدارية واحدة في المجالين، حيث تقوم كل منهما بالتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، وإن كان في الشائع مصطلح إدارة يعني الإدارة العامة.
أما الفرق بينهما فيتجسد من عدة نواح أهمها من حيث الهدف. فهدف الإدارة العامة هو تحقيق المصلحة العامة بتقديم الخدمات، وإشباع الحاجات العامة، والمحافظة على النظام العام، ولا تهدف لتحقيق الربح، وهذا كأصل. أما الإدارة الخاصة فتهدف لتحقيق الربح.
وأهم فرق بينهما هو من حيث طبيعة القواعد القانونية المطبقة، والجهة
القضائية المختصة، حيث تخضع الإدارة العامة لقواعد القانون الإداري وللاختصاص
القاضي الإداري، وهذا كأصل. كما تخضع للقانون الخاص كاستثناء وذلك عند نزولها
منزلة الأفراد العاديين. أما الإدارة الخاصة، فتخضع لأحكام القانون الخاص (القانون
المدني، والقانون التجاري، وقانون العمل كما تخضع في منازعاتها لاختصاص القاضي العادي)، وهذا كأصل وعلى اعتبار أن الإدارة العامة في الجزائر تتجسد في
السلطة التنفيذية، فإن الأمر يقتضي التمييز بينها وبين السلطات العامة الأخرى، ونخص بالذكر السلطة التشريعية، والسلطة القضائية.
فبالنسبة لتمييز النشاط الإداري عن النشاط التشريعي، فتتولى السلطة التشريعية (البرلمان) مهمة سن القوانين، عن طريق وضع قواعد عامة ومجردة، وذلك في المجال المحدد لها في الدستور. أما السلطة الإدارية والتي تتجسد في السلطة التنفيذية، فتتولى مهمة تنفيذ القوانين، وذلك عن طريق اختصاصها التنظيمي.
على أنه، وأمام مرونة مبدأ الفصل بين السلطات، فإن التداخل بين عمل السلطة
الإدارية والسلطة التشريعية يظهر من حيث أن السلطة الإدارية تخضع في عملها
للقانون، حيث يشمل العمل التشريعي الوظيفة الإدارية، لاسيما ما يتعلق بالجانب
الهيكلي والتنظيمي للإدارة المركزية، والإدارة اللامركزية.
أما بالنسبة لتمييز النشاط الإداري عن النشاط القضائي، فتتولى السلطة القضائية مهمة تطبيق القوانين بمناسبة فصلها في المنازعات المعروضة عليها، ليصدر القاضي الحكم النهائي بشأنها.
وتظهر علاقة السلطة القضائية بالإدارة العامة من حيث أن القاضي الإداري يراقب عمل الإدارة العامة. كما تظهر العلاقة من حيث حاجة كل من
السلطة التشريعية والسلطة القضائية للإدارة، لضمان حسن سيرهما كمرفقين.
وتتجسد أهمية الإدارة العامة من حيث أنها تعد بمثابة أداة لتحقيق التنمية
الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، كما تعد الوسيلة لتلبية الحاجات العامة
للمواطنين (تعليم، صحة، نقل، نظافة، تزويد بالماء والغاز والكهرباء...إلخ)، إلى
جانب مهمة الحفاظ على النظام العام بعناصره التقليدية والحديثة (الأمن العام،
الصحة العامة، السكينة العامة، والآداب العامة...إلخ).
وتبعا للأهمية الإدارة العامة، فإن الأمر يقتضي التعرف على القانون الذي يحكمها، وهو القانون الإداري، حيث يتناول مختلف جوانبها، سواء ما
يتعلق بالجانب التنظيمي Organization
administrative، والمتمثل في القواعد المتعلقة
بتكوين وتنظيم الجهاز الإداري (الإدارة المركزية أو الإدارة اللامركزية). أو ما
يتعلق بالجانب الوظيفي والمتمثل في القواعد التي تحكم النشاط الإداري Administrative activity ، والذي يأخذ مظهرين، وهما المرفق العام Public service ، والضبط الإداري Administrative
police. أو ما يتعلق بوسائل عمل
الإدارة والمتمثلة أساسا في الوسائل البشرية والمتمثلة في الموظفون العامون Public officials العاملون بالإدارات العمومية والوسائل المادية المتجسدة في
الأموال العامة أو الأملاك الوطنية، والوسائل القانونية والمتمثلة في الأعمال
الإدارية القانونية Administrative
acts ، والمتجسدة في القرارات
الإدارية، والعقود الإدارية.
أو ما يتعلق بالجانب القضائي، والمتمثل في القواعد الخاصة بالمنازعات الإدارية Administrative
Litigation لاسيما من حيث تحديد الجهة القضائية المختصة، والقواعد القانونية الموضوعية والإجرائية المطبقة.
ومن خلال المواضيع التي يتناولها القانون الإداري، تظهر المكانة الهامة التي يحتلها هذا القانون ضمن فروع القانون العام.
كما تتجسد أهمية القانون الإداري باعتباره قانون متميز في مفهومه، وظروف
نشأته، ومصادره، وأسسه، الأمر الذي يقتضي الإحاطة بمختلف العناصر المتعلقة بالقانون الإداري.
وتبعا لذلك، فإن الإشكال المطروح يتعلق بتحديد الإطار المفاهيمي للقانون الإداري؟ حيث يقتضي الأمر التساؤل عن مفهوم القانون الإداري، وظروف
نشأته، ومصادره، وعلاقته بفروع القانون الأخرى، وأسسه؟
وتظهر أهمية هذه الدراسة من عدة نواح، أهمها:
أهمية الدور المنوط بالإدارة العامة والاحتكاك الكبير بينها وبين المواطن، الأمر الذي يقضي الإحاطة بالقانون الذي يحكمها، وهو القانون الإداري.
كما تظهر أهمية هذه الدراسة بالنظر لخصوصية النشاط الإداري، لاسيما من حيث تنوعه، وسرعة تطوره، إلى جانب درجة التعقيد في هذا المجال، والتي يتوجب معها الإحاطة بمختلف عناصر القانون الإداري.
هذا، الأخذ مع بعين الاعتبار أن أي موضوع من مواضيع القانون الإداري، لا يمكن فهمه والخوض فيه، ودراسته، إلا بعد الإحاطة بمفهوم
القانون الإداري، وظروف نشأته، وطبيعة قواعده، وهو موضوع هذه الدراسة.
أما عن الدوافع لهذه الدراسة، فتتجسد في اهتمام الباحث بكل ما يتعلق بالإدارة العامة والقانون الإداري، وذلك خاصة وأن هذا المجال من المجالات المعقدة، والتي تعرف عدة تطورات خاصة من الناحية القانونية.
هذا، وسيتم معالجة هذا الموضوع بالاعتماد على عدة مناهج للبحث العلمي،
أهمها المنهج التحليلي، من أجل تحليل وشرح كل العناصر المتعلقة بالقانون الإداري.
كذلك المنهج التاريخي، وذلك في مجال دراسة ظروف نشأة القانون الإداري والمراحل
التاريخية التي مر بها. كما سيتم الاعتماد في بعض الأحيان على
المنهج المقارن، لاسيما أمام مقتضيات المقارنة بين القانون
الإداري في الجزائر، والقانون الإداري الفرنسي.
وتبعا لهذه المعطيات، سيتم تقسيم هذه الدراسة إلى فصلين:
- مفهوم القانون الإداري ونشأته (الفصل الأول).
- مصادر القانون الإداري وعلاقته بفروع القانون الأخرى وأسسه (الفصل الثاني).
