محاضرة في عناصر الركن المادي للجريمة التامة

محاضرة في عناصر الركن المادي للجريمة التامة

عناصر الركن المادي للجريمة التامة

تقديــــم:

الركن المادي للجريمة هو مظهرها الخارجي أو كيانها المادي، أو هو الماديات المحسوسة في العالم الخارجي كما حددتها نصوص التجريم، والقاعدة  أنه " لا جريمة دون ركن مادي " أو " لا جريمة دون فعل "، و الفعل يشمل الإيجاب كما يشمل السلب، فمن يأمره القانون بالعمل فيمتنع عن أدائه يكون قد خالف القانون، مثله مثل من يأمره القانون بالامتناع عن الفعل لكنه يفعله.ويخرج من مجال التجريم الأفكار والمعتقدات أو الآراء التي لا يعبر عنها بمظاهر خارجية يجرمها القانون، ذلك أن الإيمان بفكرة مجرمة أو التصميم عليها أو حتى مجرد الإفصاح عنها للغير لا ترقى إلى مرتبة الأعمال الخارجية التي تستحق التجريم.
ولكن منذ اللحظة التي تخرج فيها هذه الفكرة إلى العالم الخارجي وتتجسد في ماديات ومظاهر خارجية، يتصدى لها القانون الجنائي ويعاقب عليها إذا تطابقت مع أحد نصوص التجريم.
ونأخذ على سبيل المثال جريمة القتل، فإن ركنها المادي يتمثل في إتيان سلوك يتسبب في إزهاق روح إنسان حي، هذا الركن المادي أو فعل القتل يتحلل إلى عناصر تسمى عناصر الركن المادي وهي ثلاثة :
السلوك : ويرد على محل الجريمة وهو جسم إنسان حي، ويترتب عليه حدوث نتيجة معينة وهي الوفاة على نحو يعتبر فيه هذا السلوك سببا في إحداث هذه النتيجة، وبالأحرى توجد علاقة سببية بين السلوك ونتيجة القتل، وهكذا فإن عناصر الركن المادي هي السلوك والنتيجة وعلاقة السببية، وهذه هي العناصر اللازمة للجريمة التامة، ونحاول أن نوضح عناصر الركن المادي للجريمة التامة على النحو التالي:

أولا: السلوك الإجرامي

"هو ذلك النشاط المادي الخارجي للجريمة "أو هو" حركة الجاني الاختيارية التي يترتب عليها تغيير في العالم الخارجي" فإطلاق النار على القتيل يشكل عنصر السلوك في جريمة القتل، وتقليد توقيع شخص على محرر يشكل عنصر السلوك في التزوير، والتفوه بكلمة مشينة تحط من قدر الإنسان تشكل عنصر السلوك في جريمة القذف و السب.
والسلوك نوعان إيجابي وسلبي، فإن كان السلوك إيجابيا نسمي الجريمة بالجريمة الإيجابية وإن كان السلوك سلبيا نسمي الجريمة بالجريمة السلبية.

1/ السلوك الإيجابي:

"هو عبارة عن حركة أو مجموعة حركات عضوية إرادية تحدث تغييرا في العالم الخارجي" ،ولكي يتوافر السلوك الإيجابي لابد من تحقق أمرين، الأول :حركة أو مجموعة من الحركات العضوية والثاني : هو كون الإرادة هي الدافع إلى هذه الحركات.
وقد تكون الحركة التي يتكون منها السلوك حركة واحدة، كإطلاق رصاصة من بندقية أو ضرب شخص بعصا غليظة ضربة واحدة، وقد يتكون السلوك من عدة حركات، كأن يطعن شخص عدوه عدة طعنات بسكين حتى يلفظ أنفاسه أو يطلق عدة رصاصات على الضحية حتى تزهق روحه.
كما أن هذه الحركة أو الحركات التي يتكون منها السلوك هي حركات عضوية، أ] صادرة من أعضاء جسم الإنسان، فقد يستخدم الجاني ذراعه في القتل والضرب والسرقة أو لسانه في السب والشتم.كما أن هذه الحركة أو الحركات العضوية التي يتكون منها السلوك يلزم أن يكون مصدرها الإرادة، فإذا انتفت الإرادة تجردت الحركة من صفتها الإرادية حتى ولو أدت إلى إهدار حقوق يحميها القانون الجنائي، فمن يصاب بإغماء مفاجئ يقع على إثره على طفل فيصيبه بجروح فلا يعد مرتكبا لجريمة الضرب أو القتل العمد.

2/ السلوك السلبي:

"وهو إمساك إرادي عن الحركة العضوية في الوقت الذي كان يجب إتيانها فيه" ومن أمثلة السلوك السلبي الامتناع عن تسديد النفقة وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 331 من قانون العقوبات، أو امتناع القاضي عن الفصل في القضايا المعروضة عليه وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 136 من قانون العقوبات، أو الامتناع عن أداء الشهادة وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 97/2 من قانون الإجراءات الجزائية، وعدم تقديم مساعدة لشخص في حالة خطر وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 182/2 من قانون العقوبات، وعدم التصريح بميلاد طفل في الحالة المدنية وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 442/3 من قانون العقوبات.ويجب في جميع الأحوال أن يكون الممتنع قادرا على تنفيذ الالتزام الملقى على عاتقه، إذ لا تكليف بمستحيل، فلا يعتبر ممتنعا قانونا الشاهد الذي لا يستطيع الحضور لأداء الشهادة بسبب مرض خطير أو بسبب عوامل طبيعية حالت بينه وبين الحضور.

ثانيا: النتيجة الإجرامية

يقصد بالنتيجة الإجرامية " الأثر الطبيعي المترتب على السلوك متى أعتبر من الوجهة التشريعية عدوانا على حق أو مصلحة يحميها القانون " فالنتيجة في جريمة القتل هي وفاة إنسان بما يمثله هذا الأثر الطبيعي من عدوان على الحق في الحياة، والنتيجة في السرقة هي خروج المال المنقول من حيازة صاحبه دون رضاه ودخوله في حيازة السارق، مما يفيد هذا الأثر الطبيعي من عدوان على الحق في الملكية الفردية.
ويستخلص من تعريف النتيجة الإجرامية على النحو السابق أن لها مدلولين، أولهما طبيعي مادي يمكن إدراكه حسيا، ويتجسد في الأثر أو الآثار المترتبة على السلوك، والنتيجة بهذا المعنى تغيير يحدث في العالم الخارجي، وثانيهما مدلول قانوني مجرد يتمثل في العدوان على الحق أو المصلحة التي ارتآها المشرع جديرة بالحماية الجنائية.
وأغلب الجرائم يلتزم لتوافرها تحقق النتيجة الإجرامية كما هو الحال في جرائم القتل والضرب والسرقة، حيث يتطلب المشرع إزهاق الروح بالنسبة للقتل، وإحداث العجز عن العمل بالنسبة للضرب، وانتقال الحيازة إلى الجاني في السرقة، ويطلق على هذه الجرائم بالجرائم المادية أو الجرائم ذات النتيجة وهي التي يتطلب نموذجها القانوني تحقيق نتيجة إجرامية معينة.
وعلى عكس الجرائم السابقة توجد فئة أخرى يطلق عليها الجرائم الشكلية أو جرائم السلوك المحض، وهذه الأخيرة لا يستلزم بشأنها المشرع في نموذجها الإجرامي تحقق النتيجة مثل جريمة حمل سلاح محظور أو الامتناع عن الشهادة و السب والشتم والقذف.

ثالثا: علاقة السببية

مؤدى علاقة السببية أنه لكي يكتمل البناء القانوني للجريمة في ركنها المادي لابد أن يرتبط السلوك فعلا امتناعا بالنتيجة التي تحققت، وبعبارة أخرى يجب توافر السببية بين السلوك والنتيجة، بحيث إذا أمكن رد هذه النتيجة إلى عامل آخر غير السلوك تنقطع علاقة السببية وتنتفي المسؤولية الجزائية، فليس من العدل مساءلة شخص إذا كانت النتيجة التي تحققت ثمرة عامل أو عوامل أخرى بخلاف فعله.
وعلاقة السببية كأحد عناصر الركن المادي تقتصر على فئة واحدة من الجرائم وهي الجرائم ذات النتيجة أي التي يتطلب نموذجها القانوني وقوع نتيجة إجرامية معينة، أما جرائم السلوك المحض فلا يدخل في ركنها المادي ضرورة توافر نتيجة إجرامية معينة، وتبعا لذلك لا تثور بشأنها مشكلة رابطة السببية.
وتحديد توافر رابطة السببية أو انتفائها أمر لا يخلو من الصعوبة، لأنه في أغلب الأحوال تشترك عوامل أخرى مع سلوك الجاني في إحداث النتيجة الإجرامية مما يصعب معه القول بتوافر رابطة السببية أو عدم توافرها بين سلوك الجاني والنتيجة التي حدثت.
ولا تثور مشكلة حيث يكون سلوك الجاني هو العامل الوحيد في إحداث النتيجة الإجرامية، كمن يطلق رصاصة نحو عدوه فيقتله، ففي مثل هذه الحالة واضح وأن سلوك الجاني هو السبب في حدوث الوفاة، ولكن في الواقع العملي توجد حالات كثيرة أين تحدث النتيجة بمساهمة مجموعة من العوامل السابقة أو المعاصرة أو اللاحقة لسلوك الجاني، وقد يكون مصدر هذه العوامل شخص آخر غير الجاني أو الطبيعة أو المجني عليه نفسه، فهل يسأل الجاني عن فعله رغم تدخل العوامل السابقة أم ينصب في السبب المنتج للقول بعلاقة السببية معه ؟ وتعددت النظريات في هذا الصدد ونحاول أن نوجز محتواها على النحو التالي:

1/ نظرية تعادل الأسباب:

تذهب هذه النظرية إلى القول بأن جميع العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة هي متعادلة، وباعتبار أن فعل الجاني أحد هذه العوامل فيعد كذلك سببا لإحداث النتيجة مثله مثل باقي العوامل، ولا يهم بعد ذلك هل كان فعل الجاني هو العامل الأهم أو العامل الأقل أهمية، ومنه فمن يضرب خصمه فيحدث له جروحا يسأل عن النتيجة التي حدثت للمجني عليه الذي ذهب إلى المستشفى للتداوي من الجرح فأخطأ الطبيب المعالج في العلاج ومات المجني عليه.
ويطرح أنصار هذه النظرية سؤالا أو يحددون معيارا سهلا لمعرفة ما إذا كانت النتيجة تسند إلى سلوك الجاني أم لا، وهو هل كان حدوث النتيجة ممكنا لو تخلف سلوك الجاني ؟ فإذا كان الجواب بالنفي تقوم علاقة السببية بين سلوك الجاني والنتيجة الإجرامية.
تعرضت هذه النظرية إلى نقد شديد إذ أنها ساوت بين جميع العوامل المختلفة، ومن غير المنطقي وضع الأسباب كلها نفس الموضع ومنها الضعيف ومنها القوي، وهذا المنطق يجافي روح العدالة.

2/ نظرية السبب المنتج أو المباشر:

ومؤدى هذه النظرية أن العوامل التي تشترك في إحداث النتيجة تتفاوت فيما بينها من حيث تأثيرها في حدوث النتيجة، فمنها ماله دور مباشر وفعال في حدوثها ومنها ماله دور ثانوي ومساعد، بمعنى آخر يتم إسناد النتيجة إلى أقوى هذه العوامل، وهو العامل الذي له الدور المباشر في حدوث النتيجة، ومنه فقد لا يسأل المتهم عن الوفاة بعد اعتدائه بالضرب على المجني عليه لو ثبت وأن الوفاة قد حدثت بسبب مرض المجني عليه أو خطأ الطبيب المعالج، وذلك لانقطاع رابطة السببية بفعل العوامل المتدخلة الأخرى التي تعد أهم و أقوى من فعل الجاني، ولقد أخذ لقضاء الفرنسي بهذه النظرية في جرائم القتل العمد.
ما يعاب على هذه النظرية أنها تحضر علاقة السببية في نطاق ضيق، مما قد يؤدي إلى إفلات بعض الجناة من العقاب لمجرد أنهم قاموا بدور أقل من العوامل الأخرى، كما أنها غلبت مصلحة المتهم على مصلحة الضحية.

3/ نظرية السبب الملائم:

بعيدا عن توسيع مجال الاتهام الذي نادت به نظرية تعادل الأسباب، وبعيدا كذلك عن تضييق مجال الاتهام الذي نادت به نظرية السبب المنتج، جاءت نظرية السبب الملائم كنظرية وسطى، ولعل هذه النظرية هي الأفضل مما قيل – حسب رأي أغلب الفقه – لكونها ترى أن الجاني يكون مسئولا عن إحداث النتيجة بحسب المجرى العادي للأمور لإحداثها، فالنتيجة تنسب إلى الجاني إذا كان فعله ملائما لإحداثها ضمن الظروف والعوامل العادية المألوفة التي أحاطت بالفعل، أما دخول العوامل الشاذة ومساهمتها في إحداث النتيجة يقطع رابطة السببية.
وللتمييز بين العوامل المألوفة والعوامل الشاذة، فإنه يقصد بالأولى جميع العوامل التي كان الجاني على علم بها أو يستطيع أن يعلم بها أو يتوقع حدوثها حسب المجرى  العادي للأمور، وهي بذلك لا تقطع علاقة السببية.
أما الثانية فهي تلك العوامل المفاجئة التي لم يكن الجاني يعلمها وليس باستطاعته أن يعلمها ولا يمكنه أن يتوقعها، وهي بالتالي تقطع علاقة السببية.
وكأمثلة على ذلك من يقدم على ضرب رجل كبير في السن فتوفى، فهو على الأقل يعلم بمرضه أو كان باستطاعته أن يعلمه أو يتوقعه، فهو إذن عامل مألوف ولا يقطع علاقة السببية، أما من أقدم على  ضرب رجل قوي البنية وظروف حاله لا تدل على المرض فيكون أمام عامل شاذ، ويقطع علاقة السببية إذا ثبت وأنه كان مريضا.
ونوجد أمثلة كثيرة عن العوامل المألوفة مثل عدم العثور في الوقت المناسب على دم من نفس الفضيلة، أو عدم إمكان الاتصال برجال الإسعاف لنقله بالسرعة اللازمة، ومن الأمثلة الأخرى للعوامل الشاذة، اندلاع حريق في المستشفى، خطأ الطبيب المعالج، انقلاب سيارة الإسعاف.

المرجع:


  1. عبد الرحمان خلفي، محاضرات في القانون الجنائي العام، دراسة مقارنة، دار الهدى، الجزائر، سنة 2013، ص 101 إلى ص 108.
google-playkhamsatmostaqltradent