وسائل حث المدين على التنفيذ العيني لالتزامه

وسائل حث المدين على التنفيذ العيني لالتزامه

وسائل حث المدين على التنفيذ العيني لالتزامه

تمهيد:

التنفيذ العيني للالتزام، إما أن يتم من طرف المدين باختياره (وهذا هو الوفاء الذي سندرسه بصدد انقضاء الالتزام)، وإما أن يتم تنفيذ الالتزام عينا لكن دون تدخل المدين ولكن على نفقة المدين المخل (م : 170 مدني)، أو أن يتم التنفيذ العيني عن طريق استصدار حكم قضائي يقوم مقام التنفيذ العيني (م: 171 مدني)، وأحيانا أخرى يكون التنفيذ العيني للالتزام بحكم القانون (كما هو حال انتقال الملكية في المنقولات بمجرد العقد متى كانت معينة بذاتها (م : 165 مدني) وقد يكون التنفيذ العيني أخيرا – إذا لم يكن محله مبلغ نقدي ابتداء أو انتهاء كما في التعويض النقدي – عن طريق جبر المدين بواسطة القوة العمومية (على يد محضر) كطرد مستأجر، أو تسليم بضاعة امتنع المدين عن تسليمها، أو تسليم ولد قاصر إلى من وجبت له حضانته ... على أنه قبل أن نصل إلى مرحلة هذا النوع من التنفيذ العيني، مكن المشرع الدائن من وسائل قانونية يستطيع بمقتضاها جبر المدين أو الضغط عليه كي ينفذ التزامه عينا، ومن هذه الوسائل :التهديد المالي والحق في الحبس والإكراه البدني.

المبحث الأول : الغرامة التهديدية (أو التهديد المالي) (م 174 – 175 مدني وم 471 إجراءات مدنية)

المطلب الأول : مفهوم الغرامة التهديدية وشروطها

الغرامة التهديدية عبارة عن مبلغ مالي، يحكم به القاضي على المدين، يحتسب عن كل مدة زمنية معينة (يوم، أسبوع، شهر ...) يتأخر فيها المدين عن تنفيذ التزامه عينا، وعلى هذا الأساس تعد الغرامة التهديدية وسيلة ضغط على إرادة لمدين، وهي بذلك وسيلة غير مباشرة للحصول على التنفيذ العيني للالتزام، كما أن ما يميزها أنها غير محددة المقدار، بحيث تخضع للتقدير التحكمي للقاضي الذي يحكم بها.
ويشترط في اللجوء إلى الغرامة التهديدية توافر شروط أربعة هي:
أولا: أن يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه عينا، سواء كان الالتزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عنه.
ثانيا: أن يكون التنفيذ العيني للالتزام ما زال ممكنا، وهذا شرط بديهي إذ المقصود من الغرامة إجبار المدين على التنفيذ العيني، فمتى كان هذا الأخير مستحيلا، لم يعد للغرامة جدوى ولوجب اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض.
ثالثا: أن يكون التزام المدين شخصيا، أي أنه يشترط للتنفيذ العيني للالتزام تدخل المدين شخصيا ولا يمكن للغير أن يقوم مقامه في هذا التنفيذ (وهذا كالتزام فنان برسم لوحة فنية، أو بالتمثيل في فيلم أو مسرحية ...)
رابعا: أن يطلب الدائن من القضاء الحكم على المدين بالغرامة التهديدية، وعلى هذا لا يقضي بها القاضي من تلقاء نفسه.

المطلب الثاني: أحكام الغرامة التهديدية

يعد الحكم بالغرامة التهديدية أمرا جوازيا للقاضي، والقاضي متى حكم بالغرامة، كان له أن يقدرها بصفة تحكمية، على اعتبار أن مقدارها لا يقاس بالضرر، عن كل وحدة زمنية (يوم، أسبوع، شهر ...) يتأخر فيها المدين عن تنفيذ التزامه، ومتى لاحظ القاضي أن مقدارها لم يؤثر في إرادة المدين، كان له أن يزيد في مبلغها، وعلى أي حال، فإن موقف المدين منها لا يخلو من أمرين : فإما أن يبادر المدين إلى التنفيذ ولو متأخرا، وإما يبقى على تعنته.
وفي كلتا الحالتين، ولما كان الحكم بالغرامة التهديدية حكما مؤقتا لا يجوز تنفيذه بتلك الحالة، فإنه يلتزم القاضي بتصفية الغرامة بحيث تتحول إلى تعويض لكن يراعي فيه من جهة الضرر الذي أصاب الدائن، وكذلك العنت الذي أبداه المدين، وهذا ما يجعل الغرامة التهديدية نوعا من العقوبة الخاصة.

المبحث الثاني: الحق في الحبي (م 200 إلى 202 مدني)

المطلب الأول: مفهومه وشروطه

الحق في الحبس عبارة عن وسيلة قانونية يلجأ إليها الدائن – لأجل اقتضاء حقه من مدينه – وذلك بحبس شئ مملوك لمدينه، أو حبس محل التزامه هو (أي محل التزام الحابس) وهذا إلى أن يوفي المدين بالدين الذي عليه تجاه الحابس، فالحبس بذلك وسيلة ضغط على إرادة المدين تدفعه إلى التنفيذ العيني لالتزامه، والحبس بهذا يرد على شيء معين كما قد يرد على التزام بالقيام بعمل أو الإمتناع عنه.ولئن كان ما سبق قوله هو الأصل العام، فإنه ترد استثناءات معينة تمنع ممارسة الحق في الحبس : فمن ذلك أنه لا يجوز أن يرد الحبس على الأشخاص (فليس لمستشفى مثلا حبس مريض إلى أن يؤدي مصاريف العلاج)، كما لا يرد على ما لا يجوز الحجز عليه (كالأموال العامة وأجور العمال).
أما شروط ممارسة الحبس فاثنان : تقابل الديون من جهة ووجود ارتباط بينها من جهة ثانية.

أولا – تقابل الدينان:

ويقصد به على العموم أن يكون كل طرف دائنا ومدينا في ذات الوقت للطرف الآخر، فالبائع دائن بالثمن ومدين بنقل الملكية والتسليم، والمؤجر دائن الأجرة ومدين بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين وهكذا.. على أنه تجب الإشارة إلى أن الدين على المدين، والذي لأجل تقاضيه، يمارس الدائن حقه في لحبس، يجب أن يكون دينا مدينا لا طبيعيا لأن هذا الأخير لا يجبر المدين على الوفاء به، والحبس فيه هذا الجبر كما يجب أن يكون مستحق الوفاء في الحال لا مؤجلا، على اعتبار أن الحبس يراد منه جبر المدين على الوفاء بدينه حالا، وأن يكون الدين خاليا من أي نزاع ولو لم يكن مقدرا، ويشرط أخيرا أن يكون الدين لم ينفذ بعد وإلا لانتفت الجدوى من الحبس أصلا.

ثانيا – ارتباط الدينان:

والارتباط إما أن يكون قانوني أو مادي، فهو قانوني متى نشأ الدينان بسبب علاقة قانونية واحدة كعقد (سواء كان ملزما لجانبين أو لجانب واحد) أو عمل ضار أو نافع أو القانون (من ذلك أن يمتنع البائع عن تسليم المبيع إلى أن يفي المشتري بالثمن).ويكون الارتباط ماديا متى نشأ بمناسبة شيء مجد بيد الحابس (كمن يتسلم شيئا على سبيل الوديعة، أو غير مستحق له) فأنفق عليه مصاريف في حفظه مثلا، فله إمساكه عن مالكه إلا أن يتقاضى تعويضا عن تلك المصاريف التي أنفقها على الشيء، وينجر عن هذه التفرقة أن الحبس، إن كان الارتباط ماديا، يرد على الشيء فقط الذي أنفق عليه الحابس تلك المصاريف، إما إن كان قانونيا فيشمل جميع التزامات الحابس بما فيها الشيء (كعدم مرافعة المحامي في قضية ما وعدم تسليم وثائق الموكل ...) كما إن الارتباط إن كان ماديا، جاز الاحتجاج به على الغير ولو نشأت حقوق الغير قبل نشوء حق الحابس، على اعتبار أن ما أنفقه الحابس على الشيء يستفيد منه الغير أيضا لذلك كان حجة عليه، إما إن كان الارتباط قانونيا فلا يسري قبل الغير إلا أن يكون حق الحابس أسبق في الوجود على حقوقهم.

المطلب الثاني : أحكــــامه

تتطلب دراسة الأحكام، بيان آثار ممارسة الحبس على مالك العين المحبوسة وخلفه، وعلى الالتزامات التي يطالب بها الحابس، وكذا بيان حالات انقضاء الحق في الحبس.

أولا – علاقة الحابس بالمالك وخلفه العام

بتوافر شروط الحبس السابقة، يكون للحابس حبس العين عن مالكها المدين دون حاجة لإعذار أو ترخيص من القضاء، وهذا إلى أن يستوفي حقه الذي في ذمة المدين، ويسري هذا الحبس على الخلف العام (كالورثة) للمالك، والحبس يرد على العين وعلى ما تدره من غلال وثمار.

ثانيا – علاقة الحابس بالغير:

يقصد بالغير هنا دائني المالك وكذا خلفه الخاص، فالدائنون العاديون يسري في مواجهتهم الحبس سواء ثبتت حقوقهم قبل أو بعد ثبوت الحق في الحبس، فإن كان المدين ذاته (أي المالك)، يسري عليه الحبس، فأولى أن يسري على دائن المالك العادي لأن الدائن لا يملك أكثر مما يملكه المدين.
أما الخلف الخاص (كمن تلقى ملكية العين، أو رتب له حق عيني كرهن أو إرتفاق أو انتفاع) فإن كان المحل الذي ورد عليه الحبس عقارا فلا شك أن الحبس يسري عليهم إن كانت حقوقهم قد اشهرت بعد ثبوت الحق في الحبس، وإلا فلا، أما إن كان المحل منقولا فالحبس فيه يفترض حيازته من الحابس، مما يجعل يسري عليهم سواء نشأت حقوقهم قبل أو بعد ثبوت الحق في الحبس.

ثالثا – التزامات الحابس:

يلتزم الحابس بالمحافظة على العين المحبوسة والاعتناء بها عناية الرجل العادي، وأن يقدم حسابا عنها إلى مالكها (كأن تكون منزلا مؤجرا، أو أرضا زراعية) وأن يردها إلى مالكها بنهاية الحبس وذلك باستيفاء حقه مثلا.

رابعا – انقضاء الحبس:

باعتبار الحبس ضمان لفائدة الدائن في استيفاء حقه من مدينه، فإنه متى وفي الأخير ما عليه من دين، فإن الدين الأصلي ينقضي، وينقضي تبعا لذلك ضماناته أي الحبس، على أن الحبس قد ينقضي أيضا لكن بغير هذا الطريق التبعي: فهو ينقضي بهلاك العين المحبوسة، إذا هنا لا يصبح هناك محل يرد عليه الحبس، وينقضي أيضا في حالة إخلال الحابس بالالتزامات الواقعة عليه بالمحافظة على العين، إذ يحق هنا للمدين أن يطلب من القضاء إسقاط حقه في الحبس، وينقضي الحبس أيضا متى قدم مالك العين تأمينا (كرهن أو كفالة ..)للحابس يراه القضاء كافيا كضمان للوفاء بدين الدائن وأخيرا ينقضي الحبس متى خرجت العين المحبوسة طوعا، من يد الحابس بحيث تنازل عن حقه في الحبس وأداها إلى مالكها، أما إن كان هذا الخروج للعين بغير إرادة الحابس أو بدون علمه فيملك حق المطالبة باستردادها في مهلة 30 يوما من يوم علمه بخروجها من حيازته، أو على الأكثر سنة واحدة من تاريخ خروجها من يده.

المبحث الثالث : الإكراه البدني

(م 407 إلى 412 إجراءات مدنية وم 597 إلى 611 إجراءات جزائية)

تمهيد:

نص المشرع الجزائري في م 188 مدني على أن: "أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه" هذه القاعدة العامة لم تتكرس في الفكر القانوني طفرة واحدة، ففي عهد القانون الروماني كان جسد المدين لا أمواله، هي الضامنة للوفاء بديونه، بحيث كان للدائن حبس مدينه أو استرقاقه وقتله أيضا إن لم يف بدينه، ثم تغير الأمر بحيث صار التنفيذ يرد على أموال المدين، وهو ما أخذت به التشريعات الحديثة كالقانون الفرنسي، ولم تترك للإكراه البدني بمفهومه الحالي إلى مجالات محدودة كالمصاريف القضائية والغرامات والتعويضات وهذا متى اتصلت بجرائم، وبعد تعديلات متعاقبة لم تبق إلا الغرامات وديون الخزينة العمومية، ويرى بعض الفقه الحالي أن إجازة الإكراه البدني معناه عودة بالفكر القانوني إلى عصور القانون الروماني حيث كان جسد المدين هو الضمان للوفاء بديونه، بالإضافة أن فيه معنى الاختلاط الذي كان سائدا فيما مضى بين المسؤولية المدنية والجزائية، ومع ذلك نجد المشرع الجزائري قد أخذ بالإكراه البدني بل ووسع من مجالاته عكس ما عليه باقي التشريعات كالفرنسي والمصري.

المطلب الأول: مجالات الإكراه البدني وشروطه

يمكن القول أن الإكراه البدني جائز في المسائل التجارية بصفة عامة، وفي المسائل المدنية لكن متى تعلق الأمر بقروض النقود فحسب (أي في المجال العقدي).
وفي التعويضات المحكوم بها بصدد جرائم أيا كان وصفها (جناية أو جنحة أو مخالفة) بالإضافة إلى تحصيل الغرامات أو المصاريف القضائية أو الرد.

أولا – المسائل المدنية (قروض النقود)

ويشترط في قروض النقود الآتي:
- أن يصدر أمرا أو حكما أو قرارا حائزا لقوة الشيء المقضي أي نهائيا بأداء مبلغ الدين.
- أن يزيد أصل الدين (بغير التعويض مثلا عن التأخير في التنفيذ أو عدم التنفيذ أو مصاريف الإدعاء ..) عن 500 دج.
- أن يكون للمدعي طالب الإكراه البدني موطن حقيقي بالجزائر.
- أن تستنفد طرق التنفيذ الأخرى.
- أن يباشر الإكراه البدني خلال 03 سنوات من تاريخ صيرورة الحكم أو الأمر أو القرار حائزا لقوة الشيء المقضي.
ومتى تم ذلك كان لطالب الإكراه التوجه بطلبه إلى رئيس الجهة القضائية الواقع بدائرتها مكان التنفيذ الذي يفصل في الطلب بحكم بعد التحقيق من توافر ما سبق من الشروط وتتم مباشرة الإكراه بعد مضي المهلة القانونية بـ 10 أيام عن أمر الوفاء بالدين، هذا ويملك القاضي سلطة إمهال المدين بما لا يجاوز سنة واحدة في حالة ثبوت حسن نية المدين.

ثانيا – المسائل الجزائية (التعويضات المدنية):

يشترط في هذه الحالة الآتي:
- يجب إثبات وجود حكم قضائي بالتعويض المدني بصدد حكم إدانته في جريمة، وأن يكون الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي.
- إثبات توجيه أمر الوفاء إلى المدين الذي ظل دون تنفيذ منه.
-هذا ويتم التقدم بالطلب إلى النيابة العامة التي تتولى توجيه أمر القبض إن لم يكن المدين محبوسا من قبل، فيتم حينها الاعتراض على الإفراج عنه.

المطلب الثاني: موانع اللجوء إلى الإكراه البدني وانقضاؤه

يمنع اللجوء إلى الإكراه البدني لأسباب تعد بديهية وهذا كأن تكون العقوبة الموقعة على الجاني هي الإعدام أو السجن المؤبد أو لصفات بالمكره ( كأصل أو فرع أو زوج لطالب الإكراه أو أحد أقاربه الآخرين، أو أن عمره مساويا لـ 65 سنة أو أقل عن 18 سنة)، أو لكون الجريمة المرتكبة من الجرائم السياسية.
والإكراه البدني، متى بوشر، فإن المدة تتراوح بين يومين وسنتين تبعا لمقدار الدين ومع ذلك فلا يترتب على تنفيذه سقوط الدين، على أن الإكراه البدني ينقضي إما بأداء الدين أو بإثبات العسر.

المرجع:


  1. أ. دربال عبد الرزاق، الوجيز في أحكام الالتزام في القانون المدني الجزائري، دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر، 2004، من ص 19 إلى ص 29.
google-playkhamsatmostaqltradent