U3F1ZWV6ZTI5NjIzNjI3NTgwX0FjdGl2YXRpb24zMzU1OTQ4Mjk1MjI=

نشأة الشركات التجارية وتطروها التاريخي

نشأة الشركات التجارية وتطروها التاريخي

نشأة الشركات التجارية وتطروها التاريخي
الشركة نظام قديم جدا عرفته الشعوب التي تتسم بميلها إلى التجمع والتي تعود أصوله البعيدة الممتدة بجذورها إلى عمق الحضارات المتوسطية القديمة، ومن بين أوائل هذه الشعوب البابليون وهذا لما كانت تتسم به حضارتهم من تقدم ورقي، فقد نظم المالك الشهير حمورابي هذه الشركات في شكل قوانين تم وضعها عام 950 ق.م، ويحتوي هذا القانون على 282 مادة خصص منها 44 مادة للعقود ومنها 8 مواد لعقد الشركة، وقد كان يرى تشريع حمورابي في الشركة بأنها عقدا رضائيا لا ينتج إلا مجرد التزامات متبادلة بين أطرافه دون أن يرتب أثارا قانونيا تجاه الغير، بمعنى أن الشركة لم يكن ينشأ عنها شخص معنوي مستقل عن أشخاص الشركاء متمتع بذمة مالية مستقلة عن ذممهم الخاصة وذات إرادة متميزة عن الإرادات الشخصية المتشاركة في تجارة ما، وسوف نكتفي بدراسة تاريخ القانون الروماني للبحث فيه عن أصول الشركة الحديثة، وكان عقد الشركة في القانون الروماني من العقود الرضائية التي لا ينتج عنها إلا مجرد التزامات بين أطرافه، بمعنى أن الشركة كان لا ينشأ عنها شخصا معنويا جديدا مستقل عن أشخاص الشركاء، ولئن كانت فكرة الشخصية المعنوية بمعناها الحديث لم تظهر في عصر الرومان، إلا أن نواة هذه الفكرة ظهرت في هذا العصر حيث قامت شركات لجمع الضرائب عن طريق التعهد أمام الحاكم بالتزام جبايتها، ولتنفيذ الأشغال  العامة واستغلال المناجم وتوريد المؤن الحربية وكانت كل من هذه الشركات لها نائب يعمل باسمها ويمثلها أمام الغير، وفي القرون الوسطى وبالتحديد في القرن الثاني عشر الميلادي بدأت فكرة الشخصية المعنوية للشركة تتحدد تدريجيا بسبب ازدهار الحياة التجارية في الجمهوريات الإيطالية، كما بدأت في هذه الجمهوريات تحدد خصائص شركة التضامن، فكان الشركاء مسئولون بالتضامن عن ديون الشركة، كما كان مدير الشركة يدع اسمه وأسماء الشركاء مع نماذج عن توقيعهم لدى القنصلية التجاري وهي الهيئة المركزية لتجار المدينة وذلك إعلانا للغير بوجود الشركة كشخص معنوي مستقل ومعرفتهم بالشركاء المتضامنين، كما كانت الشركة تتمتع بذمة مالية خاصة مستقلة عن ذمم الشركاء فيها وهي تتكون من الحصص المقدمة من الشركاء،وتشكل ضمانا لدائني الشركة، وبذلك تأكدت فكرة الشخصية المعنوية التي يقوم عليها التنظيم الحديث للشركات التجارية، وظهرت كذلك في الجمهوريات الإيطالية شركة التوصية البسيطة إلى جانب شركة التضامن، ويعود سبب ظهور شركة التوصية البسيطة بالدرجة الأولى لتفادي حظر الإقراض بالفائدة الذي فرضته الكنيسة، الأمر الذي دفع بأصحاب الأموال النقدية إلى اللجوء إلى عقد التوصية عوضا عن عقد القرض بفائدة فبدلا من أن يأخذ العقد صورة قرض بفائدة يبرم أصحاب رؤوس الأموال النقدية عقود التوصية مع التجار يتعهدون بمقتضاها بأن يقدموا لهؤلاء رؤوس الأموال اللازمة لاستغلالها واستثمارها في التجارة على أن توزع الأرباح فيما بين أصحاب رؤوس الأموال مسئولين عن الخسارة التي قد تبؤ بها الشركة إلا في حدود رؤوس الأموال النقدية المقدمة، وهكذا ازدهرت في القرون الوسطى نوعان من الشركات شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة، ونتيجة للسياسة التوسعية الاستعمارية الأوروبية في كل من إفريقيا والهند وأمريكا في القرنين 16 و 17 ظهرت الحاجة لاستثمار أموال ضخمة في هذه المستعمرات الواسعة والغنية بمواردها الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى نشوء شركات مساهمة ضخمة تمنح امتياز استغلال هذه المستعمرات بأمر ملكي، كما لها حق تكوين الجيوش وتحصيل الضرائب ومسك النقود وإصدار اللوائح، بمعنى أنها كانت تشكل دولة داخل دولة، وكان تأسيس هذه الشركات يتم عن طريق إصدار أوراق قابلة للتداول هي الأسهم وبذلك كانت شركة المساهمة أفضل أداة ابتدعتها الرأسمالية لتجميع رؤوس الأموال اللازمة لتنشيط استثماراتها الصناعية والتجارية، ومن أمثلتها الشركتان الفرنسيتان وهما شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية التي تأسست سنة 1664م، ونظرا للخطورة التي أصبحت تشكلها شركات المساهمة أصدرت الحكومات تشريعات تتدخل من خلالها في تنظيم هذه الشركات رعاية للمصالح القومية وحفاظا على مصالح صغار المدخرين، وذلك عن طريق التضييق من نطاق الحرية التعاقدية، ففرض المشرع أحكام آمرة تحميها جزاءات جنائية متعددة تتعلق بإإنشاء الشركة وسير أعمالها وانحلالها وتصفية أموالها، كما بدأ رأس المال العام يدخل في شركات المساهمة في أعقاب الحرب العالمية الأولى فنشأ نتيجة عن ذلك شركات الاقتصاد المختلط كتوفيق بين مبدأ الحرية الاقتصادية ومبدأ الاشتراكية، كما ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية حركة تأميم واسعة أدت إلى ظهور نوع جديد من الشركات لم تكن معروفة من قبل وهي شركات المساهمة العامة والتي تملك الدولة جميع أسهمها، أما الشركات ذات المسؤولية المحدودة فلم تظهر للوجود إلا بمقتضى قانون صدر بألمانيا ولأول مرة في 29 أبريل من سنة 1892، وانتقلت منها إلى معظم الدول، كما أن شركة التوصية بالأسهم ظهرت في هذا القرن وبالتحديد في 1 جانفي 1808 بأمر من نابليون بونابرت، وأخيرا علينا أن نشير أن ظهور التكتلات الاقتصادية بين الدول ذات الظروف الاقتصادية المتشابهة مثل دول السوق الأوروبية المشتركة دفعت الدول إلى العمل لتوحيد تشريع الشركات التجارية، وهكذا اقتبس القانون الفرنسي الجديد لعام 1966 مراعيا لكل هذه التطورات والذي نقل عنه المشرع الجزائري أحكام الشركات التجارية.

المرجع :


  1. أ.عمورة عمار، شرح القانون التجاري الجزائري، دار المعرفة، الجزائر، 2016، من ص 123 إلى ص 125.
الاسمبريد إلكترونيرسالة