مداخلة بعنوان: مظاهر الحماية القانونية للمياه من مخاطر النزاعات المسلحة في القانون الدولي بقلم د. بن بادة عبد الحليم د. عبد العالي بشير

الصفحة الرئيسية

مظاهر الحماية القانونية للمياه من مخاطر النزاعات المسلحة في القانون الدولي

مظاهر الحماية القانونية للمياه من مخاطر النزاعات المسلحة في القانون الدولي
الملتقى الوطني الموسوم بـ: استغلال الميــاه في القانون المقارن، المنعقد يوم: 18  ديسمبر 2018، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الملحقة الجامعية - قصر الشلالة - جامعة ابن خلدون – تيارت
(مظاهر الحماية القانونية للمياه من مخاطر النزاعات المسلحة في القانون الدولي)
الموسم الجامعي: 2018- 2019
من إعداد:
  • د. بن بادة عبد الحليم
  • د. عبد العالي بشير

مـلخـص

تُشكّل الموارد المائيّة مكانة هامّة ضمن مشاغل المجتمع الدولي في العصر الحديث، لما لا وكل المؤشّرات توحي بأنّ النزاعات والصراعات المقبلة في العالم سوف تكون حول السيطرة على موارد المياه وضمان بقائها، في ظل تحوّل مُناخي رهيب أثّر سلباً على الموارد المائيّة خاصّة العذبة منها.
فالمتأمّل في المشهد الدولي اليوم يظهر له جلياً حجم الحركية الكبيرة الذي يقوم به المجتمع الدولي من أجل ضمان حماية قانونيّة للموارد المائيّة والنأي بها عن النزاعات المسلّحة، بالإضافة إلى حل مُختلف النزاعات التي كان الماء سببها بطرق وديّة تكفل لكل طرف حقّه من الماء مع عدم تضييع حق الأجيال القادمة.
تلك الحركيّة السياسية قابلتها حركيّة قانونيّة لها جذور في القانون الدولي الإنساني تُعنى بتوفير الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة من خلال إبرام العديد من الاتفاقيّات التي كفلت تلك الحماية ضمن نصوصها القانونيّة.
الكلمات المفتاحية: موارد مائيّة، حماية قانونيّة، نزاعات مسلّحة، الأعيان المدنيّة، اتفاقيّات دوليّة.

Abstract

Water resources are an important part of the concerns of the international community in the modern era, as all indications suggest that future conflicts and conflicts in the world will be about controlling and ensuring their survival, with a terrible transformation that has negatively affected water resources, particularly fresh water resources.
The reflection on today's international landscape shows the magnitude of the great mobility that the international community is doing to ensure the legal protection of water resources and their disrepute from armed conflicts, as well as to resolve the various conflicts that water has caused in friendly ways to ensure each party's right to water while not wasting the right of future generations.
This political movement has been met by a legal movement with roots in international humanitarian law that provides legal protection of water resources during armed conflicts through the conclusion of several conventions that have ensured that protection within its legal provisions.
KeyWords: Water resources, legal protection, armed conflicts, civil dignitaries, international conventions.

مقدّمة

يُعتبر الماء هو أصل الحضارة وموردها الهام الذي يضمن بقائها، حيث بُنيت الحضارات منذ القدم ونشأت المماليك والدول على ضفاف الأنهار والبحار إيماناً منها بالقيمة الكبيرة للماء، إلاّ أنّه وللأسف لم تسلم الموارد المائيّة منذ القدم من مكر الإنسان وخُبثه ونواياه الإجراميّة، فقد اُستغلّت تلك الموارد المائيّة من طرف الأطراف المتصارعة على مر العصور، ووظّفت كسلاح فتّاك تقوم  باستعماله في مُعاقبة بعضها البعض من خلاله وتوظيفه كورقة ابتزاز سياسي.
لتستمر تلك السلوكات حتى عصرنا الحالي الذي اُستعملت فيه مختلف الأسلحة والأدوات الهمجيّة في الحروب كالقنابل النووية والبيولوجية والكيميائية، مُتسببة في دمار فادح للموارد المائيّة وخراب كبير للبيئة وما تتكوّن منه من عناصر يمثّل الماء أهمّها.
لهذا استيقظ الضمير العالمي على وقع المآسي المتكرّرة التي ضاق بها المجتمع الدولي درعاً، فراح يبحث يميناً ويساراً عن وسائل وآليّات تضمن وتكفل حماية الموارد المائيّة والمنشآت المرتبطة بها؛ من نيران النزاعات المسلّحة، وضمان حق المدنيين في التزوّد بالموارد المائيّة حتى أثناء تلك النزاعات، فظهرت التقاليد والأعراف الحربيّة بين الخصوم والتي تضمّنت بعض الأحكام الأخلاقيّة الملزمة للأطراف المتنازعة التي يجب عليهم التقيّد بها وعدم تجاوزها أثناء نزاعهم المسلّح ومن بينها حرمة المساس بالموارد المائيّة، ليتمّ بعدها إبرام العديد من الاتفاقيّات الدوليّة والقيام بتقنين مُختلف المبادئ القانونيّة التي ينبغي مُراعاتها أثناء الحروب ومن بينها حماية الموارد المائيّة من كل أشكال التعدّي أثناء النزاعات السياسيّة والمسلّحة المختلفة، ولعل أهم تلك الاتفاقيّات كانت اتفاقيّات جنيف الأربع التي تمّ عقدها سنة 1949 بالإضافة للبروتوكولين الملحقين بها، والذين عقدا سنة 1977 وما تضمناه من أحكام صريحة ومُباشرة تضمن الحماية القانونيّة للمياه أثناء النزاعات المسلحة.
كل ذلك سيكون محور مُداخلتنا هذه باذلين الجهد قدر الإمكان من أجل تبيان مختلف مظاهر الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، ومن أجل ذلك قُمنا بإثارة الإشكاليّة التالية والتي مفادها: فيما تتمثّل مظاهر الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة ؟.
من أجل الجواب على تلك الإشكاليّة قمنا بإتباع الخطة التالية:
المبحث الأول: تناولنا فيه المصادر التي تُستمد منها أحكام الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة في القانون الدولي
المطلب الأول: اتفاقيّات القانون الدولي كمصدر أصلي لحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلّحة
المطلب الثاني: القواعد الدوليّة العرفيّة الخاصّة بحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلحة
المطلب الثالث: المبادئ العامّة للقانون الدولي كمصدر لحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلحة
المبحث الثاني: مختلف المبادئ المتعارف عليها في الاتفاقيّات الدوليّة والخاصّة بحماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة
المطلب الأول: مبدأ حماية الأعيان المدنيّة والتي لا غنى للإنسان عنها
المطلب الثاني: حماية الأشغال والمنشآت المحتوية على قوى خطرة
المطلب الثالث: مبدأ حماية البيئة الطبيعيّة وعلاقته بالموارد المائيّة

المبحث الأوّل: مصادر الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة في القانون الدولي

يستمدّ موضوع الحماية القانونيّة الدوليّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة أساسه القانوني من مصادر متنوّعة تُضفي الشرعيّة عليه انطلاقاً من مبدأ الشرعيّة الدوليّة، حيث أنّ المتمعّن بالنظر يظهر له أنّ أبرز مصدر كفل الحماية القانونيّة للموارد المائيّة في القانون الدولي يتمثّل في الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة (المطلب الأوّل)، وما نتج عنها من أحكام آمرة لا يجوز مُخالفتها سواء كانت تلك الاتفاقيّات متعدّدة الأطراف أو ثنائيّة، وفي حالة إغفال تلك الاتفاقيّات على قاعدة قانونيّة يمكن الاستناد عليها لحماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة، فإنّه يتوجّب العودة إلى ما تضمّنه العرف الدولي في مثل تلك الحالات (المطلب الثاني)،  وفي حالة خلو هذا الأخير كذلك من النص عن قواعد قانونيّة لتوفير الحماية المطلوبة للموارد المائيّة فإنّه يتمّ اللجوء بعدها إلى القواعد القانونيّة العامّة في القانون الدولي العام (المطلب الثالث). 

المطلب الأول: اتفاقيّات القانون الدولي كمصدر أصلي لحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلّحة

الاتفاقيّات أو المعاهدات إجراء قديم مارسته المجموعات أو الكيانات السياسيّة في جميع مراحل التاريخ، وخضعت في العصور الحديثة لتطوّر كبير شمل مُختلف جوانبها المتعلّقة بشروط عقدها وتنفيذها وأثارها وتفسيرها وانقضائها، حيث صدرت في سنة 1969 اتفاقيّة فيينا لقانون المعاهدات التي قنّنت جميع الأعراف الخاصّة بالمعاهدات.
ولعلّ أهم مصدر من مصادر الحماية القانونيّة الدوليّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة يُستقى من نصوص المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة باعتبارها مصدراً أصلياً من مصادر القانون الدولي.
إلاّ أنّه ومن خلال إلقاء نظرة على اتفاقيّات القانون الدولي الإنساني وخاصّة الاتفاقيّات الأربع المعروفة والتي يرجع تاريخها إلى 12 أوت 1949،  فإنّنا لم نجد فيها الإشارة المباشرة إلى توفير الحماية لموارد المياه، ليتمّ تدارك ذلك الإغفال ضمن البروتوكول الإضافي الأوّل الصادر سنة 1977 الملحق باتفاقيّات جنيف الأربع سابق الإشارة إليها.
في الحقيقة إنّ اتفاقيّات القانون الدولي الإنساني تدخل ضمن إطار المعاهدات الدوليّة، فالمعاهدات الدوليّة تُعتبر أبرز مصادر القانون الدّولي الإنساني والأساس للقاعدة القانونيّة التي تحمي موارد المياه ومُنشآتها خلال فترة النزاعات المسلحة، والمعاهدة هي عبارة عن اتفاق مكتوب بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي، ترمي إلى إحداث أثار قانونيّة معيّنة تكون إمّا عقديّة أو خاصّة، وهي التي تُعقد بين دولتين أو أكثر في شأن خاص بها ولا تُلزم إلاّ الدول الموقّعة عليها. 
إنّ موارد المياه تستمد حمايتها من الاتفاقيّات الدوليّة التي تتناول بشكل خاص أوضاع الممتلكات المحميّة خلال فترة النزاعات المسلّحة على اعتبار أنّ الموارد المائيّة والمنشآت المائيّة تُعتبر من قبيل الممتلكات المحميّة بغض النظر عن المصدر المعتمد في تجسيد مبدأ الحماية. 
ولعلّنا نجد بعض صور حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة في نصوص الاتفاقيّات والمعاهدات الدوليّة، مثل تلك التي نصّت عليها المادة 54 الفقرة 1 و2 من البروتوكول الإضافي الأوّل لاتفاقيّات جنيف لسنة 1949 والتي جاء فيها: "1- يُحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.
2- يُحظر مُهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائيّة والمناطق الزراعيّة التي تنتجها، والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، إذَ تحدّد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيويّة مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أو لحملهم على النزوح أو لأي باعث أخر".
كما نجد المادة 56 الفقرة 1 من البروتوكول الإضافي الأوّل المتعلّق بحماية ضحايا النزاعات الدوليّة المسلّحة تنص على أنّه: "لا تكون الأشغال الهندسيّة أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة، ألا وهي السدود والجسور والمحطّات النوويّة لتوليد الطاقة الكهربائيّة، محلاً للهجوم حتى ولو كانت أهدافاً عسكريّة، إذا كان من شأن مثل هذا الهجوم أن يتسبّب في انطلاق قوى خطرة ترتّب خسائر فادحة بين السكان المدنيين".
وهي نفس الصياغة التي جاءت بها المادة 15 من البروتوكول الثاني الإضافي لاتفاقيّات جنيف لعام 1949 المتعلّق بحماية ضحايا النزاعات المسلّحة غير الدوليّة.
بل لقد ذهب الملحق الأوّل لاتفاقيات جنيف لسنة 1949 لأبعد من ذلك في سبيل حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة؛ عندما نصّ على حظر استهداف الأهداف العسكريّة الواقعة عند تلك الأشغال الهندسيّة والمنشآت أو على مقربة منها، إذا كان الهجوم سوف يتسبّب في انطلاق قوى خطرة ترتّب خسائر فادحة بين السكان المدنيين.
أمّا بالنسبة للنصوص غير المباشرة التي نصّت على حماية الموارد المائيّة؛ فسوف نجدها مثلاً في القواعد القانونيّة الواردة في إعلان باريس لسنة 1856 الخاص بالحرب البحريّة ، والذي دعا إلى حماية بضائع الأعداء الموجودة على مراكب الدول المحايدة باستثناء المؤن العسكريّة، وبمفهوم أخر يُعتبر الماء من المؤن غير العسكريّة التي يجب حمايتها إذا كان موجوداً على ظهر السفينة.
كما تضمّن إعلان بروكسل لسنة 1874 ومدوّنة أكسفورد التي اعتمدها معهد القانون الدولي في عام 1880، حظر استعمال السّم أو الأسلحة المسمومة، حيث يمتدّ ذلك الحظر ضمنياً إلى الموارد المائيّة حتى ولو لم يشر النص صراحة إلى ذلك.
وهو نفس ما جاء به بروتوكول جنيف لعام 1925 المتعلّق بحظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامّة أو ما شابهها؛ وللوسائل الجرثومية في الحرب، ومن المعلوم ما قد يتسبب فيه السم وغيره من الغازات من ضرر كبير للبيئة وبالأخص موارد المياه.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ القرار رقم 02 الصادر عن المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والذي انعقد في جنيف للمدّة من 03 إلى 07 ديسمبر 1995 والخاص بحماية السكان المدنيين في أوقات النزاعات المسلّحة؛ قد جاء فيه ما يلي: " بالنسبة إلى السكان المدنيين المحرومين من الماء:
أ- يشدّد على أنّ الماء مورد حيوي لضحايا النزاعات المسلّحة والسكان المدنيين، وإنّه لا يمكن الاستغناء عنه لبقائهم.
ب- يُناشد أطراف النزاع أن تتخذ كل الاحتياطات الممكنة لكي تتفادى في عمليّاتها الحربية أي عمل من شأنه تخريب أو الإضرار بمصادر المياه ونظم التموين بالمياه ومُعالجتها وتوزيعها التي يستخدمها المدنيون.
ج- يُطلب إلى أطراف النزاع ألاّ تحول دون وصول المدنيين إلى المياه بل تمهّد لهم السبيل لكي يمكن إصلاح نظم التموين بالمياه  المتضرّرة من جرّاء الأعمال العدائيّة، وتؤمّن في الوقت ذاته حماية الموظّفين المكلّفين بهذه المهمّة.
د- يُطلب إلى كل الدول أن تشجّع كل الجهود الرامية إلى إعادة تشغيل نظم التموين بالمياه أو معالجتها أو توزيعها التي تضرّرت من العمليّات العسكريّة ". 
وكخلاصة لما سبق يمكن القول أنّ أحكام القانون الدولي الإنساني الاتفاقيّة المباشرة وغير المباشرة تُشكّل المصدر الرئيسي والفعّال للحماية القانونيّة لموارد المياه والمنشآت المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، لما تنطوي عليه من أحكام مُباشرة وغير مُباشرة تكفل لموارد المياه قدراً معقولاً وملائماً من الحماية ضد مخاطر وأضرار الحروب والنزاعات المسلّحة.

المطلب الثاني: القواعد الدوليّة العرفيّة الخاصّة بحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلحة

يشكّل خرق قواعد العرف الدولي انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي يترتّب عليه المسؤوليّة الدوليّة.
حيث تقتضي عادات وأعراف أطراف النزاع احترام قواعد تنظّم إدارة وسير النزاعات المسلّحة وسلوك المقاتلين وما يحتاجه المدنيين من متطلّبات من شأنها أن تُبقيهم على قيد الحياة، حيث انعقد سنة 1874 في بروكسل عاصمة بلجيكا مؤتمراً دولياً حضرته عدّة دول؛ أقرّ الإعلان العالمي بخصوص قوانين الحرب وأعرافها.
هذا وقد نشأت القواعد العرفيّة الدوليّة التي تُعنى بحماية موارد المياه والمنشآت المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة من خلال تطوّر أعراف الحرب، فقد كانت تلك الأعراف تُعنى فقط بالمقاتلين ومن تمّ تطوّرت القواعد العرفيّة خلال القرن الثاني عشر لتُعلِن بأنّ الاعتداءات التي تقع على المدنيين وأعيانهم تعدّ خروجاً عن القواعد العامّة المنظّمة للعمليّات الحربيّة.
هكذا شكّلت المبادئ العامّة للقانون العرفي وما يمليه الضمير العام بخصوص حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة؛ مصدراً لا يمكن إنكاره من مصادر حماية تلك الموارد ضمن إطار القانون الدولي الإنساني كما هو الحال بالنسبة لأي قانون، فالمعرّف عُرفاً كالمشروط شرطاً، كما أنّ الثابت بالعرف كالثابت بالنص والعادة مُحكّمة .
بالإضافة إلى أنّ دور العرف في حماية موارد المياه يبرز بصورة كبيرة في حالة عدم وجود اتفاقيّات معنيّة بهذا الجانب وضمن هذا المجال، حيث أكّدت على ذلك مذكّرة لوزارة الخارجية الأمريكيّة سنة 1957 والمتعلّقة بالجوانب القانونيّة لاستغلال الأحواض المائيّة الدوليّة، حيث استندت إلى قواعد عرفيّة ثابتة ومستقرّة تُعارض على سبيل المثال استغلال الأحواض على نحو تعسّفي.
كما ساعدت القوانين العسكريّة الداخليّة للدّول على نشأة العرف الدولي وتطوّره بصفة عامّة ومن ثمّ نشوء القواعد العرفيّة المتعلّقة بإضفاء الحماية على موارد المياه أثناء النزاعات المسلّحة بصفة خاصّة، حيث أنّ القوانين العسكريّة الوطنيّة للدّول لا تعمل في الإطار الدّولي أي ليس لها طابع دولي، ومن تمّ فهي تدخل في إطار العرف الدولي عندما تُصادف قبولاً من الدول ويُتواتر على استخدامها والعمل بمقتضاها.
ولعلّ قانون كود ليبر (Lieber Code) يُعتبر أوّل مُحاولة جادّة لتقنين قواعد وعادات الحرب، حيث كان مُتوجّهاً بالخطاب إلى القوات المسلّحة الأمريكيّة، وحدّد الالتزامات والواجبات التي يُلزم بها المقاتل الأمريكي أثناء الحرب. 
حيث أشار هذا القانون في معرض حديثه عن حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة؛ إلى تحريم استخدام السموم في الحروب على أيّة صورة كانت، سواء وُضعت في آبار المياه أو الطعام أو الأسلحة، ووصف تلك الأفعال بأنّها خارجة عن قانون وعادات وأعراف الحرب.

المطلب الثالث: المبادئ العامّة للقانون الدولي كمصدر لحماية موارد المياه أثناء النزاعات المسلحة

لقد صار من المتعارف عليه ومن المسلّمات أنّ قواعد القانون الدّولي بالنسبة للدّول لها طابع الإلزام، ومهما كان الأساس القانوني لذلك الإلزام المستمد من القاعدة المعروفة "العقد شريعة المتعاقدين".  
فالالتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي أصبح قاعدة آمرة لا يجوز مخالفتها، وتستمد الموارد المائيّة ومنشآتها الحماية القانونيّة الدوليّة من خلال إلزاميّة قواعد القانون الدولي، باعتبار أنّ الدّولة عضو في المنظومة الدوليّة.
كما أنّ النظام الأساسي لمحكمة العدل الدوليّة أشار في الفقرة (ج) من المادة 38 منه؛ على ترتيب المبادئ العامّة للقانون بعد المعاهدات الدوليّة والعرف في تعداد القواعد التي تطّبقها المحكمة، وذلك وفق ما تضمّنته العبارة التالية "مبادئ القانون العامّة التي أقرّتها الأمم المتمدّنة".
فالمبادئ العامّة للقانون من خلال إرساء القاعدة القانونيّة هدفها هو تنظيم العلاقات البشريّة بين الأفراد بأنفسهم أو عن طريق أشخاص معنويّة داخليّة أو عن طريق الدول.
كما تُطلق تسمية المبادئ العامّة للقانون على "المبادئ والمفاهيم القانونيّة المشتركة لمختلف الأنظمة القانونيّة التي لا تتعارض مع القواعد المستقرّة في القانون الدولي، والتي تلجأ إليها الدول لاستنباط القواعد والأحكام اللاّزمة لتسوية خلافاتها وتنظيم علاقاتها في حالة عدم وجود قاعدة اتفاقيّة أو عرفيّة".
المبادئ العامّة للقانون تتدرّج بعد الاتفاقيّة الدوليّة والعرف الدولي، كما أنّه قد أُختلف بشأن القيمة القانونيّة للمبادئ العامّة، فهناك من اعتبرها ذات قيمة قانونيّة إلزاميّة شأنها شأن القواعد المدوّنة في الاتفاقيّات الدوليّة، وهناك من أعطاها وصف المبادئ العامّة التي لا يمكن الخروج عن إطارها بحكم حيازتها على صفة المبدأ الذي لا يمكن الخروج عنه وبالتالي تكون أثارها مُنتجة.
إنّ القيام بتدمير أو مهاجمة موارد المياه والمنشآت المائيّة أثناء النزاعات المسلحة؛ يُعتبر انتهاكاً لبعض القواعد العامّة للقانون والمستمدّة من القانون الدّولي الإنساني، حيث يُمكننا استخلاص مظاهر حماية موارد المياه ضمن المبادئ العامّة للقانون والمتمثّلة فيما يلي:

الفرع الأول: دور مبدأ تقييد حقوق المتحاربين في حماية موارد المياه

لقد تضمّنت مُختلف الوثائق الدوليّة ذات الصلة بالنزاعات المسلّحة العديد من القيود التي يفرضها القانون الدّولي على حق الأطراف المتنازعة في اختيار وسائل وأساليب القتال، وهو ما أشارت له الاتفاقيّة الخاصّة بحضر أو تقييد استعمال أسلحة وقذائف ومعدّات وأساليب قتاليّة يكون من طبيعتها أن تسبّب أضراراً مُفرطة أو آلاماً لا داعي لها.
وهو نفس ما نصّت عليه المادة 35 الفقرة (ب) من البروتوكول الإضافي الأوّل الملحق باتفاقيّة جنيف "يُحضر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرّر لها".
إنّ تقييد الأطراف المتنازعة في اختيار وسائل وأساليب القتال وحظر التسبّب في الآلام التي لا مبرّر لها، وإن بدت في ظاهرها غير ذات صلة مباشرة بموضوع حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة باعتبار أنّ الأسلحة المنصوص عليها ليست من النوع الذي قد يسبّب ضرراً بالموارد المائيّة كأسلحة الدمار الشامل مثلاً أو الأسلحة البيولوجيّة والكيميائيّة.
ولكن تكمن العلاقة بين تقييد حريّة الأطراف المتحاربة في استعمال أسلحة وقذائف ووسائل قتال من شأنها إحداث آلام لا مبرر لها وبين الموارد المائية؛ في أنّ المبادئ العامّة للقانون تسعى إلى توفير الحماية اللاّزمة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، خاصّة إذا ما قام المتحاربون باستخدام تلك الأسلحة التقليديّة في تدمير موارد الماء أو أي مُنشأة مائيّة بحجّة وجود هدف عسكري بجانبها، بالإضافة إلى حظر استعمال الأسلحة التي من الممكن أن تتسبّب في تسميم أو تلويث الموارد المائيّة. 
حيث أنّ أي طرف يدّعي بأنّ له الحق في الإضرار بموارد الماء دون النظر للآثار المترتّبة على ذلك مُدعياً أنّه قام بذلك نتيجة وجود هدف عسكري بالقرب منها؛ يكون قد خالف أبسط قواعد ومبادئ القتال  التي أقّرتها القواعد العامّة للقانون الدولي.

الفرع الثاني: مبدأ التمييز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة

إنّ مبادئ القانون الدولي تفرض على الأطراف المتنازعة ضرورة التمييز في نطاق العمليّات العسكريّة بين الأهداف العسكريّة والأعيان المدنيّة، وهو ما يكفل حماية غير مُباشرة للموارد المائيّة ومُنشآتها من الآثار الضارّة لأسلحة القتال، فضلاً عن تأكيد هذا المبدأ العام لحظر شن أي هُجوم على الأعيان المدنيّة بما فيها موارد المياه ومنشآتها، وتشديد المسؤوليّة الملقاة على عاتق القادة العسكريين الذين يخطّطون للهجوم أو يتّخذون قراراً بشأنه.
ومثال ذلك ما قامت به القوّات الدوليّة أثناء استخدام القوّة ضد العراق لإخراجه من الكويت بناءاً على القرار رقم 678؛ من تدمير موارد المياه والمنشآت المائيّة العراقيّة، حيث يُعدّ ذلك التصرّف من قبيل الأعمال غير الشرعيّة لأنّها تجاوزت نطاق استخدام القوّة المحدّدة بالأهداف العسكريّة فقط.

الفرع الثالث: حماية مبدأ التناسب للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة

يُعتبر مبدأ التناسب من أهم المبادئ المنظّمة للحروب والنزاعات المسلّحة والذي بمقتضاه لا يجوز للمتحاربين أن يُلحقوا بخصومهم أضراراً لا تتناسب مع الغرض من الحرب، إذ يُشكّل مبدأ التناسب بوصفه قاعدة عرفيّة نوعاً من الحماية اللاّزمة لموارد المياه والمنشآت المائيّة ضد أضرار النزاعات المسلّحة، فالدّول المتحاربة تقوم بإجبار العدو على الخضوع لإرادتها، ومن ذلك القيام بهجوم مسلّح يُقصد به أو قد يُتوقّع منه تعريض موارد المياه والمنشآت المائيّة لخسائر وأضرار لا تتناسب مع المزايا العسكريّة الملموسة والمباشرة للعدو.
كما يُعتبر مبدأ التناسب بديلاً للمبدأ الذي كان سائداً في القدم والذي مفاده "أنزل بعدوّك أقصى ما تستطيع من الأذى"، حيث تمّ استبدال هذا المبدأ بمبدأ جديد وهو "لا تترك بعدّوك من الأذى أكثر ممّا يقتضيه غرض الحرب". 
لهذا فإنّ تدمير موارد المياه سيؤدّي إلى حرمان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، ومن تمّ سيؤدّي ذلك إلى الإخلال بمبدأ التناسب الذي تُوجبه المبادئ العامّة للقانون الدولي الإنساني.

المبحث الثاني: مبادئ حماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة في القانون الدولي

لقد سبق وأن تمّ تبيان مُختلف المصادر التي يُعتمد عليها في توفير حماية قانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة في القانون الدولي، حيث تمّ مُلاحظة إقرار القانون الدولي بمختلف مصادره للحماية اللاّزمة للموارد المائيّة، وفق مبادئ تمّ النص عليها واعتمادها كقاعدة قانونيّة يجب الالتزام بها وقت النزاعات المسلحة، خاصة مبدأ حماية الأعيان المدنيّة والتي لا غنى للمدنيين عنها (المطلب الأوّل)، بالإضافة لمنع استهداف أو تدمير أي أشغال هندسيّة أو منشآت تحوي على قوى خطرة يمكن أن تأثّر على المدنيين أوقات النزاعات المسلّحة (المطلب الثاني)، وصولاً إلى مبدأ حماية البيئة الطبيعيّة من سعير النزاعات المسلّحة، ولا يتمّ ذلك إلاّ من خلال ضمان بيئة طبيعيّة لا يعكّر صفوها نزاع المتنازعين ونيران صراعهم (المطلب الثالث).

المطلب الأول: مبدأ حماية الأعيان المدنيّة والتي لا غنى للإنسان عنها

على الرغم من أنّ قواعد القانون الدولي الإنساني وخاصّة اتفاقيّات جنيف لسنة 1949، تُوجّه حمايتها نحو الأشخاص، إلاّ أنّه تُوجد بعض القواعد التي عنيت بتنظيم الحماية القانونيّة لبعض الأعيان والأماكن، ويعود السبب في تعزيز تلك الحماية إلى أهميّة تلك الأعيان في ظل الحروب والنزاعات المسلّحة، وذلك إمّا لاعتبارها منشآت وأملاك متينة الصلة بالحروب أو تحتوي على قوى خطرة.

الفرع الأول: الأعيان المدنيّة

كفل القانون الدّولي الإنساني بموجب النصوص المتفرّقة التي تضمّنتها اتفاقيّتا جنيف الثالثة والرابعة لسنة 1949؛ الحق في الحصول على مياه الشرب المأمونة ومرافق الصرف الصحي، فاقترن ذلك الحق في الصحة ومفهوم الصحة العامّة، لكنّه لم يوفّر الحماية لشبكات المياه وأشغال الري مما يعني أنّ الحماية لم تكن في الأساس موجّهة لهذه الأعيان في حد ذاتها وإنّما للأشخاص المحميين بموجب هذا القانون.
إنّ حماية الأعيان المدنيّة أثناء النزاعات المسلّحة تستند على تكريس المبدأ الشهير الذي أرساه جون جاك روسو والمتمثّل في ضرورة التمييز بين المدنيين والمقاتلين، حيث أنّ عمليّة حماية المدنيين مقرونة بحماية الأعيان الضروريّة لبقائهم على قيد الحياة.
وبما أنّ الموارد المائيّة والمنشآت التابعة لها تصنّف ضمن الممتلكات المحميّة وهي ضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، فإنّها تُعتبر من الأعيان المدنيّة وبالتالي يُحظر مهاجمتها أو الاعتداء عليها بحكم ارتباطها بحياة المدنيين، كونها لا تُعتبر أهدافاً عسكريّة من وجهة القانون الدّولي الإنساني. 
كما تُعتبر الموارد المائيّة من قبيل الأعيان المدنية ذات الطبيعة المختلطة، أي يمكن أن تكون مدنية أو عسكريّة بمجرّد إقامة قوّات أحد الأطراف المتنازعة بجوارها أو السيطرة عليها، ومن ثمّة يمكن أن تكون سلاحاً أو هدفاً عسكرياً، ومع ذلك لا يُمنع من اعتبارها عيناً مدنيّة تستفيد من الحماية العامّة المقرّرة بموجب قواعد القانون الدّولي الإنساني.
لقد طالبت العديد من الوفود أثناء عمليّة التفاوض حول البروتوكول الإضافي الأوّل والثاني لسنة 1977، بالنص على الحماية العامّة للأعيان المدنيّة وذلك لنفس الاعتبارات التي تقوم عليها حماية المدنيين، إلاّ أنّ الطلب جُوبه بالرفض من طرف وفود أخرى بسبب إمكانيّة استغلال تلك الحماية وإساءة استعمال تلك الموارد والمنشآت التابعة لها بالأخص حالة الأعيان المختلطة.
إلاّ أنّه تقرّر فيما بعد توفير حماية للأعيان المدنيّة زمن النزاعات المسلّحة، وهو ما نصّت عليه المادة 52 الفقرة الأولى من البروتوكول الأوّل على عدم جواز توجيه الهجمات ضد الأعيان المدنية بعبارة "ألاّ تكون محلاً للهجوم أو لهجمات الردع" ونصّت نفس المادة باقتصار الهجمات على الأهداف العسكريّة وحصرت تلك الأهداف في الأعيان التي تُساهم مُساهمة فعّالة في العمل العسكري سواء كان ذلك بسبب طبيعتها أو موقعها أو غايتها أو بسبب استخدامها.
وتتجلّى علاقة الأعيان المدنيّة بالموارد المائيّة في كون تلك الأعيان تتمتّع بالحماية؛ نظراً لاعتبارها مُمتلكات مدنيّة خالصة، ومنها حماية المنشآت المائيّة والمؤسّسات المدنيّة الخاصّة بالإمداد بالماء الصالح للشرب أثناء النزاعات المسلّحة، إذ أنّ لكل هُجوم على موارد المياه والمنشآت التابعة لها على اختلافها؛ يُعتبر من وجهة نظر القانون الدّولي الإنساني عملاً غير مشروع، على اعتبار أنّها أعيان مدنيّة تستمدّ حمايتها من القانون الدّولي الإنساني انطلاقاً من عدم اعتبارها أهدافاً عسكريّة إلاّ في حالة الضرورة القصوى.

الفرع الثاني: الأعيان التي لا غنى للإنسان عنها

يهدف القانون الدولي الإنساني إلى حماية فئات معيّنة من آثار العمليّات العدائيّة، وذلك بترتيب التزامات تقع على عاتق الأطراف المتحاربة، تتمثّل في توجيه الهجمات ضد الأعيان العسكريّة فقط، ففي إطار الحماية المقرّرة للمدنيين؛ تندرج حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين، وقد كُرّس هذا المبدأ في المادتين 54 و14 على التوالي من البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيّات جنيف الأربع لسنة 1977.
ولأنّ موارد المياه ضروريّة فقد أحاطتها مُختلف الاتفاقيّات وعلى رأسها اتفاقيّات جنيف بحماية خاصّة، حيث أكّدت تلك الاتفاقيّات على تغليب الاعتبارات الإنسانيّة على الاعتبارات الحربيّة ومن تمّ فإنّ الحصانة لا تُرفع عن موارد المياه والمنشآت المائيّة إلاّ عندما تُستخدم لتموين أفراد القوّات المسلّحة، بشرط أن لا يُؤدّي ذلك تجويع المدنيين أو تعريض حياتهم للخطر، فالشك يجب أن يفسّر لصالح الطرف الضعيف وهم المدنيين بصورة عامّة والأطفال بصورة خاصّة. 
لهذا فإنّ أي مساس بالموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة يُعتبر مُتعارضاً مع القانون الدّولي الإنساني وبصورة مُباشرة مع ما نصّ عليه البروتوكول الأوّل لاتفاقيّات جنيف والذي جاء فيه: " يُحظر مُهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائيّة والمناطق الزراعيّة التي تُنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، إذا تحّدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيويّة مهما كان الباعث سواء كان يقصد تجويع المدنيين أو لحملهم على النزوح أو لأي باعث أخر ".

المطلب الثاني: حماية الأشغال والمنشآت المحتوية على قوى خطرة

لقد كانت المنشآت التي تحتوي على قوى خطرة محل اهتمام القانون الدّولي الإنساني لضمان توفير الحماية للمدنيين من الآثار المدمّرة لهذه المنشآت حال استهدافها في النزاعات المسلّحة، ولعل ما حدث في حرب فيتنام الثانية خير مثال على ذلك؛ عندما قامت قوات فيتنام الجنوبيّة بمساعدة من القوات الأمريكيّة بقصف السدود ومولّدات الكهرباء المتواجدة في فيتنام الشمالية مُحدثة بذلك فيضانات كبيرة أدّت إلى كارثة إنسانيّة.
حيث عالجت كل من المادة 56 والمادة 15 على التوالي من البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيّات جنيف الأربع لسنة 1977 هذا الأمر، حيث أقر البروتوكولين الإضافيين الحماية القانونيّة للأشغال الهندسيّة والمنشآت التي تحتوي على قوى خطرة.
كما تعدّ الموارد المائيّة مصدراً أساسياً للحياة، فهي تُعتبر كذلك من وسائل الحرب الفتّاكة، لهذا كان من الضروري حماية بعض المنشآت التي تحوي قوى خطرة لاسيما بعدما أصبحت أهدافاً للهجمات، إلاّ أنّ القيد الذي أقّرته المادة 56 والمادة 15 من البروتوكول الأوّل والثاني لاتفاقيّات جنيف ليس مُطلقاً، حيث يجوز مُهاجمة تلك المنشآت والأشغال الهندسيّة متى تبث أنّها تقدّم دعماً للعمليّات العسكريّة على نحو مُنتظم ومُهم ومُباشر، وكان الهجوم عليها هو السبيل الوحيد لإنهاء ذلك الدعم.  
تجدر الإشارة إلى أنّ مشروع القانون الخاص باستغلال المجاري المائيّة الدوليّة لغير الملاحة، والذي أوصت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بموجب قرارها المرقّم بـ 2669 ( د.25 ) في 08/12/1970؛ أن تباشر لجنة القانون الدولي بإعداده، قد تطرّق إلى موضوع سلامة المنشآت المائيّة المُقامة على المجاري المائيّة الدوليّة من الأضرار والمخاطر التي تعود إلى قوى وأسباب طبيعيّة، أو إلى الأعمال المتعمّدة كالإرهاب والتخريب، واقتصار استغلال المجاري المائيّة الدوليّة وما يتّصل بها من مواقع وإنشاءات على الأغراض السلميّة التي تتّفق مع المبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتّحدة والتي تتمتّع بمركز الحصانة سواء في المنازعات الدوليّة أو في المنازعات الداخليّة، ولهذا لا يجوز أن تتعرّض هذه المنشآت لأي هُجوم أو تدمير أو إضرار سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب بما فيها الحرب الأهليّة، ما لم تُستخدم هذه المنشآت جُزءاً من المواقع العسكريّة الهجوميّة للخصم. 

المطلب الثالث: مبدأ حماية البيئة الطبيعيّة وعلاقته بالموارد المائيّة

أشارت المادة 23 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 المتعلّقة بقوانين وأعراف الحرب البريّة إلى حظر تدمير ومُصادرة مُمتلكات العدو باستثناء الحالات التي تحتّم فيها ضرورات الحرب اللجوء إلى الاستيلاء أو التدمير.
ويُستخلص من نص المادة 23 سالفة الذكر أنّها نصّت على إحدى أقدم قواعد حماية البيئة خلال فترة النزاعات المسلّحة، حيث نصّت اتفاقيّة جنيف الرابعة لعام 1949 والخاصّة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب؛ على حظر تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة وفقاً لنص المادة 53 من ذات الاتفاقيّة والتي توفّر حد أدنى من الحماية البيئيّة أثناء حالة الاحتلال، إذ نصّت المادة 55 من البروتوكول الأوّل لعام 1977 على ما يلي:
1- يجب مُراعاة حماية البيئة الطبيعيّة من الأضرار البالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد خلال النزاعات المسلّحة، وتشمل هذه الحماية حظر استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يُقصد بها أو يتوقّع منها أن تسبّب مثل هذه الأضرار بالبيئة الطبيعيّة، ومن ثمّة فإنّها تؤثّر على صحة السكّان وبقائهم على قيد الحياة.
2- تُحظر هجمات الردع التي تُشنّ ضد البيئة الطبيعيّة. 
ولأنّ الموارد المائيّة تُعتبر عنصراً من عناصر البيئة الطبيعيّة فقد تتأثّر أثناء النزاعات المسلّحة بسبب الأعمال العدائيّة سواء بقصد من الأطراف المتحاربة أو من غير قصد، ممّا يؤثّر بصورة مُباشرة على الإنسان خاصّة وأنّ الماء أصبح في الوقت الحالي عاملاً من العوامل الأساسيّة لتحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعية، لذلك فإنّ العبث به بتلويثه يشكّل خطراً على صحّة السكان المدنيين، لهذا فإنّ حماية هذا المورد والمنشآت المرتبطة به أثناء النزاعات المسلّحة وكذا حماية البيئة الطبيعيّة أصبحت أكثر من ضرورة تتطلّبها مُقتضيات الحياة البشريّة.
إنّ ازدياد الاهتمام بحماية البيئة وموارد المياه كجزء من عناصرها؛ من أثار النزعات المسلّحة قد تنامى، خاصّة مع التطوّر الهائل والمتسارع في صناعة الأسلحة وأساليب القتال، مثل ما حدث للبيئة من جراء استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للمواد الكيميائيّة في فيتنام كان أشد وأفظع درس، إذ سبب أضراراً واضحة للإنسان وللبيئة المحيطة به ومنعت استفادته من المصادر الطبيعيّة هناك، علاوة عن إلقاء القوات الأمريكية لملايين عدّة من الغالونات المحتوية على المواد الكيميائيّة التي أدّت إلى إبادة غابات دلتا نهر الميكونج وأشجار المانجورف وهي مصدر رئيس لسكّان الهند الصينية، وتبين أنّ تلك المواد أدّت إلى قتل الأسماك والحيوانات وتسبّبت في تشوّه الأجنّة.
وفي حرب رواندا لم تقف المأساة عند قتل مئات الآلاف من المدنيين من القبائل المتصارعة، بل تجاوز ذلك بترك الجثث تتعفّن في الشوارع والطرقات الأمر الذي تسبب في انتشار الأوبئة والأمراض، حيث تمّ إلقاء الآلاف من تلك الجثث المتعفّنة في مياه نهر النيل الذي يمرّ بالعديد من الدّول الأفريقية.
ممّا تقدّم من أمثلة يظهر لنا أنّ الأضرار التي تلحق بالبيئة بشكل عام وبموارد المياه بشكل خاص في أوقات النزاعات المسلّحة، لها أثار خطيرة تلحق بكل أشكال الحياة ليس في ميدان القتال فحسب وإنّما قد تمتد آثارها إلى بيئات دول أخرى مجاورة.
حماية البيئة في أوقات النزاعات المسلّحة هو مبدأ تبنّته العديد من الصكوك الدوليّة كبروتوكول جنيف الإضافي الأوّل الملحق باتفاقيّات جنيف، الذي يحظر العمليّات العسكريّة والتي من شأنها الإضرار بالبيئة لآجال طويلة، كما تستند حماية البيئة في إطار منظّمة الأمم المتحدة على اتفاقيّة حظر استخدام تقنيّات التغيير في البيئة لأهداف عسكريّة أو أية أهداف أخرى عدائيّة،  الذي وافقت عليه الأمم المتحدة من خلال الجمعيّة العامّة بتاريخ 10 ديسمبر 1976 تحت رقم 72/31 .
بالإضافة إلى أنّ تدمير البيئة الطبيعيّة أو الاعتداء عليها خلال النزاعات المسلّحة لا تبرّره الضرورة العسكريّة، بل هو انتهاك لأحكام القانون الدّولي الإنساني عملاً بنص المواد 23 الفقرة ( ز ) من اتفاقيّة لاهاي الرابعة، والمادتين 53 و147 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادتين 35/3 و55 من البروتوكول الإضافي الأوّل الملحق باتفاقيّات جنيف.
إنّ تلوّث مياه المناطق البيئيّة يشمل المياه العذبة باختلاف أنواعها، كما يمسّ المياه الباطنيّة أو ما يسمى بالمياه الجوفيّة.
كما أنّ الأمم المتحدة قد أولت اهتماماً بالغاً بموضوع حماية البيئة أوقات النزاعات المسلّحة وأوردت في المبادئ العامّة لميثاق العالم عن البيئة أنّه: " يجب أن تكون الطبيعة أمنة من التدهور الذي تسبّبه الحرب أو غيرها من الأنشطة العدائيّة ".
لذلك فإنّ موارد المياه والمنشآت المائيّة المرتبطة بها والتي هي جزء من البيئة؛ كانت موضع حماية في قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى أطراف النزاع المسلّح كافة الالتزام بهذه الأحكام لصالح البشريّة المشترك وخيرها العام.

خاتمة

لقد حاول المجتمع الدولي جاهداً في أن يضمن حماية قانونيّة كافية للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، وهو ما لمسناه فعلاً من خلال مُختلف الأحكام الاتفاقيّة والعرفيّة التي يزخر بها القانون الدولي الإنساني.
حيث كانت الجهود حثيثة من أجل تحييد الموارد المائيّة من الصراعات وتجنيبها ويلات الحروب والنزاعات المسلّحة، إلاّ أنّ الإشكال الذي كان مطروحاً هو في كون أنّ الموارد المائيّة صارت في حد ذاتها سبباً لاندلاع النزاعات المسلّحة، وليست فحسب عيناً من الأعيان المدنيّة التي يجب ضمان حمايتها وعدم المساس بها أثناء اندلاع النزاعات المسلّحة، هذا الأمر كشف عورة القانون الدّولي الإنساني وقصور أحكامه في الإلمام بمختلف الانتهاكات الواقعة على الموارد المائيّة، خاصّة إذا ما علمنا بأنّه لا توجد نصوص قانونيّة دوليّة خاصّة بحماية ذلك المورد الهام، فاتفاقيّات جنيف الأربع والبروتوكولين الملحقان بها؛ قد نصّوا على الحماية القانونيّة للموارد المائيّة بصفة استثنائيّة ومقيّدة في بعض الأحيان وغير مُباشرة في مواضع كثيرة وهو ما عيب عليها، على العموم يمكن أن نورد أهم ما توصّلنا إليه من خلال هذه الدراسة في النتائج التالية:
1- تدرّج القانون الدولي الإنساني في ضمان الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، حيث انطلقت تلك الحماية من الأعراف المتعامل بها من طرف الدّول، لنصل إلى مرحلة تقنين تلك الأعراف عن طريق الاتفاقيّات والمعاهدات؛ وبالتالي بدأت تُظهر تلك الحماية القانونيّة بصفة غير مباشرة في مُختلف الاتفاقيّات وعلى رأسها اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، لنصل لمرحلة الحماية المباشرة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلحة من خلال البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيّات جنيف سنة 1977.
2- رغم ما تضمّنه القانون الدّولي الإنساني من قواعد ومبادئ تكفل الحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، إلاّ أنّها ظلّت غير كافية وقاصرة في ضمان حماية فعّالة، خاصّة إذا ما علمنا عدم تقيّد الكثير من الدول بما جاء من مبادئ وقواعد وأحكام في تلك الاتفاقيّات.
3- عدم وجود اتفاقيّة مُستقلة خاصّة بالحماية القانونيّة للموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة. 
أمّا فيما يخص التوصيات التي توصلنا إليها من خلال هذه الدراسة فتمثلت فيما يلي:
1- يجب إعادة ضبط وتقييد مفهوم الضرورة الحربيّة الذي نصّت عليه الاتفاقيّات الدوليّة، والذي بمقتضاه تستطيع الأطراف المتحاربة القيام بتدمير موارد المياه والمنشآت المتّصلة بها في حالة ما إذا تمّ استعمالها من طرف العدو، وهو ما يدعونا كذلك للتوصية بمنع استغلال الموارد المائيّة في النزاعات المسلّحة أو استغلال الحماية الدوليّة التي تمّ توفيرها لموارد المياه والمنشآت المتعلّقة بها، واستعمالها كمكان للقيام بالنشاطات العسكريّة.
2- ندعو لاعتماد مُعاهدة مُستقلة وخاصّة بصفة كليّة لحماية الموارد المائيّة أثناء النزاعات المسلّحة، فالأحكام المتفرّقة والمتناثرة ضمن نصوص الاتفاقيّات الدوليّة غير كافية حالياً لحماية الموارد المائيّة.
3- يجب أن تفعّل آليّات الردع في القانون الدّولي لقمع ومُعاقبة كل من تسوّل له نفسه استغلال الموارد المائيّة لصالح نزاعه المسلح أو استعمالها كورقة ضغط أو سلاح ضد عدوّه، حيث ندعو كذلك إلى مُحاكمة ومُعاقبة كل من يتسبب في تلويث أو تدمير الموارد المائيّة.
google-playkhamsatmostaqltradent