الاستغلال التجاري للسفينة

الاستغلال التجاري للسفينة

الاستغلال التجاري للسفينة

حسب المادّة 568 ق ب ج. يتّخذ الاستغلال التجاري للسفينة عدّة صور هي:

- النقل البحري للبضائع والأشخاص.

- تقديم المساعدة لسفن أخرى لأداء أغراضها الأساسية بالقطر والإسعاف والإرشاد البحري.

- الصيد البحري واستغلال الثروات البحرية.

- نشاطات اقتصادية بحرية أخرى.

وقد خصّص المشرّع الجزائري الكتاب الثاني من القانون البحري لهذا الموضوع تحت عنوان "الاستغلال التجاري للسفينة". نظّم فيه صور هذا الاستغلال في المواد 885-738.

وهي:

- النّقل البحري للبضائع والأشخاص المواد 738-872. ق بح ج.$

- القطر البحري في المواد 873-885 ق بح ج.

- الإرشاد البحري في المواد 171-188 ق بح ج.

وتقتصر هذه الدراسة على النوع الأول من صور الاستغلال والمتمثّل في النقل البحري للبضائع. والذي يتمّ بطريقتين هما:

- الاستغلال غير المباشر من غير مالكها بعقد استئجار السفينة (المطلب الأوّل).

- الاستغلال المباشر من طرف مالك السفينة بعقد النقل البحري وهو مضمون (المطلب الثاني)

- ويرتبط الاستغلال التجاري للسفينة بالبيوع البحرية من ناحية نقل البضائع بحرًا وهو مضمون (المطلب الثالث).

المطلب الأوّل: عقد استئجار السفينة Contrat D'Affrètement

في بعض أصناف التجارة الرائجة التي تعرف نوعًا من الثبات٬ عادة ما تلجأ الشركات القائمة بها إلى امتلاك سفنها الخاصّة٬ مثل شركات البترول التي تمتلك ناقلات البترول العملاقة. لكن٬ في كثير من أنواع التجارة الموسمية المتغيرة بين الرواج والركود لا يلجأ فيها التجار إلى امتلاك السفن بل يقومون إمّا بإبرام عقود النقل البحري أو عقود استئجار السفن٬ وحتّى شركات النقل البحري٬ قد لا تمتلك بعض أنواع السفن بصفة دائمة بل نستأجرها من شركات أخرى لمواجهة طلبات النقل البحري في مواسم معيّنة يعجز أسطولها عن تلبيتها.

فعقد استئجار السفينة برزت أهمّيته واتسع انتشاره في العصر الحديث بسبب ما يتطلّبه الاستغلال المباشر من أموال طائلة لا يقدر المالك على توفيرها.

نتعرّف في هذا المطلب على طبيعة عقد الاستئجار وأنواعه والآثار القانونية التي يرتّبها كل نوع من أنواعه.

- يعرّف عقد استئجار بصفة عامّة أنّه اتفاق يلتزم بمقتضاه المؤجّر (وهو مالك السفينة) أن يضع السفينة بكاملها أو جزء منها تحت تصرّف المستأجر (وهو صاحب البضاعة أو من ينوب عنه) مقابل أجرة (م640 ق بح ج)

- وعقد الاستئجار هو عقد رضائي يكون فيه لكلا الطرفين حرّية إدراج اشتراطاتهما في العقد٬ لكن يجب أن تكون الاشتراطات غير مخالفة لمبادئ القانون البحري الم 641 ق بح ج.

- يمكن للمستأجر أن يؤجر السفينة من الباطن ما لم يقض الاتفاق بخلاف ذلك٬ ويبقى ملزما بالواجبات الواردة في العقد م644 ق بح. ويتمتّع المؤجّر بالامتياز على البضائع لاستيفاء أجرته والأعباء الأخرى. ويمكن للمالك أن يتصرّف في السفينة بعد تأجرها فيبقى هو والمالك الجديد مسؤولين عن تنفيذ عقد الاستئجار.

- أركان عقد استئجار السفينة:

الرّضا: أن يتطابق الإيجاب والقبول حول مسائل هامّة تتعلّق بنوع السفينة٬ حمولتها٬ سعتها٬ صلابة هيكلها سرعتها٬ مدى استهلاكها للطاقة٬ سعر الإيجار.

السبب: يجب أن يكون عقد الاستئجار بقصد النّقل وأن ينصبّ النقل على مواد مشروعة غير مخالفة للنّظام العام٬ في دولة القيام أو دولة الوصول (المخدّرات مثلا).

المحلّ: موضوع العقد هو أن تتّجه إرادة الأطراف إلى تأجير التسيير الملاحي أو التجاري للسفينة.

الركن الخاص: هو تحديد المدّة في الإيجار لمدّة معينة٬ وبيان الرحلات في الإبحار بالرحلة.

والكتابة هي شرط شكلي لإثبات عقد الإيجار وليس للانعقاد٬ م 642 ق بح ج وهذا إذا كانت السفينة لا تقل حمولتها عن 10 أطنان. ويجب أن يتضّمن العقد إلتزامات الأطراف والعناصر الفردية للسفينة٬ أسماء وعناوين الطرفين٬ النسبة المئوية للأجر الخاص باستئجار السفينة٬ مدّة العقد أو بيان الرحلات.

- يتّخذ استئجار السفينة ثلاث صور كما وردت في التقنين البحري الجزائري هي

1- استئجار السفينة مجهّزة على أساس مدّة معينة.

2- استئجار السفينة مجهّزة على أساس الرحلة.

3- استئجار السفينة عارية من التجهيز أو بهيكلها فقط.

الفرع الأول: استئجار السفينة على أساس الرّحلة المواد 650-694 ق بح ج

عقد استئجار السفينة على أساس الرّحلة Affrètement au voyage هو العقد الذي تؤجر فيه السفينة لرحلة واحدة أو عدّة أو رحلات٬ بموجبه يضع المؤجّر السفينة جزئيًا أو كليًّا تحت تصرّف المستأجر مزوّدة بالتسليح والتجهيز اللازم لتنفيذ الرحلة مقابل أجرة (م650 ق بح ج) حيث يحتفظ المالك المؤجر بسلطتي التسيير الملاحي والتجاري للسفينة Gestion Nautique et Commerciale Du Navire م 651 ق بح ج ولذلك فهذا العقد يشبه عقد النّقل لأنّ صلاحياته واسعة ومسؤوليته مشدّدة.

أوّلا: الالتزامات التي يرتّبها عقد الاستئجار على أساس الرحلة:

‌أ) إلتزامات المؤجّر: تتعلّق هذه الإلتزامات بالسفينة والبضاعة والرحلة.

1) تقديم السفينة للمستأجر بوضعها تحت تصرّفه في الزمان والمكان المعّينين لمواعيد الشحن والتفريغ م 654-٬667 حيث تكون صالحة للملاحة البحريّة وللقيام بالعمليات المذكورة في عقد الإيجار٬ مرفوقة بجميع الوثائق اللازمة لذلك٬ وبأن تكون السفينة مزوّدة بالتجهيز والتسليح اللازم الم 652 ق بح ج والطاقم الكافي للقيام بالرحلة والتكفّل برواتبهم واحتياجاتهم. وأن يُعلم المستأجر كتابيًّا بجاهزية السفينة للتحميل الذي تبدأ آجاله من تاريخ هذا الإعلام٬ كما يُلزم بالتأمين على السفينة.

2) المحافظة على السفينة والإبقاء على حالتها الجيّدة لحين نهاية الرحلة٬ ومن ثمّ نحمّل مصاريف الترميم والتنظيف وإصلاح العطب في الوقت المعقول دون تأخر يُضرُ بالصفقة التجارية أو يتلف البضاعة.. إلخ م705 م726 ق بح ج.

3) رصّ البضاعة L'arrimage أي ترتيبها في السفينة بشكل جيّد تسهيلًا لتفريغها٬ م 673 والاعتناء بها أثناء الرحلة م 675 ق بح ج.

4) القيام بجميع المساعي لتنفيذ الرّحلة أو الرّحلات المُتفق عليها على وجه السرعة وعلى خط السير المتّفق عليه دون انحراف عنه إلا للضرورة في الطريق المعتاد م674.

‌ب) التزامات المستأجر: تتعلّق هذه الإلتزامات بـ: -الأجرة -البضاعة

1) دفع الأجرة المحدّدة في العقد٬ وبالكيفية المحدّدة في العقد م686 ق بح وإذا لم يوجد اتفاق حول الكيفية فتدفع دوريًا كلّ شهر وتُحسب ابتداءً من وقت وضع السفينة تحت تصرّف المستأجر إلى يوم انتهاء الرّحلة مع تسبيق الشهر الأوّل. وأي إخلال بهذا الإلتزام يُرتّب للمؤجّر حق رفض تفريغ البضاعة م680 ق بح أو بيعها م 681 ق بح.

2) شحن البضاعة المتفق عليها م 668 ق بح٬ في المكان المخصص لها على ظهر السفينة م670 ق بح٬ خلال الآجال القانونية 664 وفي الوقت المتفق عليه م 673-668 وإلّا جاز للمؤجّر القيام به على حساب ومسؤولية المستأجر أو فسخ العقد. وكذلك يلتزم بتسلُم البضاعة في ميناء الوصول وتفريغها.

ثانيا: مسؤولية الأطراف:

- نظرًا لأنّ الإدارة الملاحية والتجارية للسفينة بيد المؤجر فإن كل المسؤولية تقع عليه م 653/1 ق بح ج فيكون مسؤولا عن الأضرار التي تلحق بالبضائع التي استلمها الربّان على متن السفينة:

- القانون الجزائري على غرار القانون الفرنسي يعتبر التزام المؤجر في عقد الإستئجار بالرّحلة هو التزام ببذل عناية لا تحقيق نتيجة٬ لذا يمكنه التخلّص من المسؤولية إذا أثبت بذل العناية وتنفيذ التزامه كاملًا وعدم وقوع الخطأ منه٬ وإنّما الخطأ ناجم من جرّاء الملاحة التي قام بها الرّبان أو مندوبوه م 653/2 ق بح ج.

- أجاز القانون لمالك السفينة المؤجر أن يحدّد مسؤوليته فلا تكون مطلقة٬ بل بمكنه تحديد حدّ أقصى للتعويض يكون في وسعه٬ أو يشترط إعفاءه من أخطاء الغير ومن الأضرار التافهة ومن الغشّ.

- يفسخ العقد دون خط٬ من الأطراف ودون تعويض لأي منهم  طبقًا للأحوال الواردة في المادة 689 ق بح ج وذلك إذا تبين أنّ السفينة صودرت أو أوقفت أو منعت من النشاط من قبل السلطات المينائية الإدارية٬ وكذلك إذا تعرّضت لحادث بطابع القوة القاهرة جعلها غير قابلة للتصليح أو جعل تنفيذ الرحلة مستحيلًا.

الفرع الثاني: استئجار السفينة على أساس المدّة المواد 695 -722 ق بح ج.

عقد استئجار السفينة على أساس المدة Affrètement à temps هو العقد الذي تؤجر فيه السفينة كاملة لمدّة معيّنة بغض النظر عن عدد الرحلات٬ حيث يضع المؤجّر السفينة تحت تصرف المستأجر مزوّدة بالتسليح والتجهيز اللازم لتنفيذ الرحلة مقابل أجرة م 695 ق بح ج.

أوّلا: إلتزامات الأطراف:

يتضمّن العقد نفس التزامات الإيجار على أساس الرحلة ويختلف عنه في الجوانب التالية:

‌أ) يحتفظ المؤجر بالإدارة الملاحية للسفينة م700 و705 ق بح. ويختصّ المستأجر بالتسيير التجاري م701 و704 ق بح فالمستأجر هو الذي يتحمّل مصاريف الاستغلال التجاري كمصاريف التموين بالمنشآت الضرورية والماكينات٬ ومصاريف الميناء والرسو وأجرة الشحن والتفريغ٬ وتحضير العنابر كمًّا وكيفًا٬ وأجرة الطاقم عن الساعات الإضافية.

ويأتمر الربّان بأوامره في حدود العقد والاستغلال التجاري لا الملاحي. ويتحمل المستأجر الخسائر البحرية. ويلتزم بردّ السفينة.

‌ب) نماذج المشارطات (عقود الإيجار Charte partie) عادة تُحمّل المستأجر تكلفة الوقود لكن القانون غير واضح.

ثانيا: مسؤولية الأطراف:

‌أ) يكون المؤجّر مسؤولا في حدود السلطة التي احتفظ بها وهي سلطة التسيير الملاحي٬ الم 698 ق بح ج٬ عن الأضرار اللاحقة بالبضاعة إذا ثبت تقصيره في تنفيذ التزاماته٬ مثل الأضرار الحادثة بسبب التأخير أو فقدان السفينة أو العطب الغير قابل للإصلاح...إلخ. وهنا يمكن للمستأجر أن يمتنع عن تنفيذ التزاماته أو يفسخ العقد مع طلب التعويض. ومن حق المؤجر إثبات رجوع الضرر للسبب الأجنبي٬ ويستحقّ الأجرة إلى تاريخ حصول الكارثة أو العلم بفقدان السفينة.

‌ب) لا يكون المؤجر مسؤولا تجاه المستأجر عن الأخطاء التجارية للرّبان وعن المخالفات الجزائية التي يرتكبها الطاقم المنصوص عليها في المادتين 535 ٬536من ق بح ج.

‌ج) يسأل المستأجر في حدود سلطة التسيير التجاري التي يمتلكها الم عن الأضرار اللاحقة بالسفينة أخطاء التسيير التجاري للسفينة الم 699 ق بح ج. وعليه يحق للمؤجّر فسخ العقد والمطالبة بالتعويض. لكنّه لا يسأل عن التلف الذي يصيب السفينة عادة من جرّاء استغلالها العادي.

‌د) إذا قامت السفينة بعمليات المساعدة أو الإسعاف أو الإنقاذ٬ نقتسم المكافأة بالتساوي بين الطرفين م 717 ق بح ج.

الفرع الثالث: الإيجار على أساس الهيكل: الم 723- 737 ق بح ج

- عقد استئجار السفينة على أساس الهيكل Affrètement à coque nue هو عقد تأجير للسفينة دون تسليح أو تجهيز لوقت محدود لقاء أجر يدفعه المستأجر٬ حيث يجب أن توضع السفينة المتفق عليها في تاريخ ومكان معيّن تحت تصرّف المستأجر في حالة جيّدة وصالحة للمهمّة المخصصة لها طيلة مدّة العقد٬ طبقًا للمواصفات المحدّدة في العقد٬ م 725 ق بح ج٬ فالصلاحية للملاحة البحرية تكون بحسب نوع النشاط المراد القيام به فحاملات الموز أو اللّحم مثلًا٬ يجب أن يوفّر فيها المؤجّر غرف التبريد لأنها من مواصفات السفينة وليست من عناصر التجهيز.

- يتمتّع المستأجر في هذا العقد بسلطتي التسيير الملاحي والتجاري للسفينة فتقع على عاتقه عملية التجهيز ومصاريف استغلال السفينة ومصاريف الوقود والصيانة والإصلاح الذي لا يكون سببه عيب في السفينة٬ ويتولّى توفير الطاقم والتكفل بأجور العاملين فيه وكل احتياجاتهم٬ كما يتحمّل الخسائر البحرية والتأمين على السفينة. ويتحمّل المسؤولية وحده عن الأضرار اللاحقة بالبضاعة. م728- 730 ق بح

- يُسأل المؤجر عن الأضرار المتولّدة عن عدم صلاحية السفينة للملاحة٬ ولذلك هو ملزم بالإصلاحات والغيارات الخاصّة بعيوب السفينة في استعمالها العادي. ويمكنه نفي المسؤولية إذا نفى انتساب الخطأ أو الإهمال إليه أو إلى أي من الأشخاص الذي يكون مسؤولًا عنهم الم 727 ق بح ج.

- إذا توقفت السفينة بسبب عيب فيها أو لظروف خارجة عن نطاق المستأجر جاز لهذا الأخير أن يتوقّف عن دفع الأجرة طيلة مدّة توقّف السفينة الم 734 ق بح ج.

- بالمقابل يجب على المستأجر أن يستعمل السفينة بما يتفق مع مميّزاتها التقنية وتخصّصها العادي.

- ويجب أن يدفع بدل إيجار السفينة بالكيفية المحدّدة في العقد ابتداءًا من يوم استلامها إلى يوم ردّها الم. 732. 733

- يجب على المستأجر ردّ السفينة عند انتهاء مدّة العقد في المكان المتّفق عليه على الحالة التي استلمها بهاء٬ وكلّ تأخير يرتّب عليه دفع تعويض يساوى ضعف الأجرة٬ بشرط أن لا يكون تأخيرًا عرضيًّا يقل عن عُشر (10/1) مدّة الإيجار.

المطلب الثاني: عقد النقل البحري للبضائع

النقل البحري هو قيام مجهّز السفينة سواء مالكها أو مستأجرها بخدمة النقل بحرًا لصالح الشاحن أو المسافر٬ بمقتضاها ينقل بضائع أو أشخاصًا على السفينة من مكان إلى آخر٬ لقاء أجرة٬ وهو لا يشمل ملاحة النزهة وملاحة الصيد ولا نقل البضائع والأمتعة الخاصّة.

يحتل النقل البحري مركز الصدارة بين وسائط النقل الأخرى٬ البري والجوي في نقل التجارة العالمية حيث يمثل نسبة %85 من حجمها الإجمالي٬ نظرا لقدرة السفينة على التكيف مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة٬ وكذا ما تتميز به من سعة استعابية لاستقبال مختلف البضائع ونقلها إلى موانئ العالم. أضف إلى ذلك أن النقل البحري يعد من أرخص وسائط النقل تكلفة في أجور الشحن.

ويرتبط عقد النقل البحري بالتجارة الدولية فلا يكون النقل البحري بدون التجارة٬ الخارجية ولا مجال للتجارة الدولية بدون النقل البحري. وقد يرسل الشاحن البضاعة لنفسه كأن تكون شركة أرسلت جزءً من بضائعها إلى فرع لها في مكان آخر٬ أو قد يكون المرسل إليه شخص آخر تربطه بالمرسل علاقة تعاقدية سابقة (بائع ومشتري) فيقوم المرسل بإبرام العقد ويترتّب للمرسل إليه حق على البضاعة رغم عدم كونه طرفًا في العقد.

يتناول المشرّع الجزائري عقد النقل البحري للبضائع في المواد 738-820 من القانون البحري٬ ونقل المسافرين وأمتعتهم في المواد 821-859 من نفس القانون.

وتقتصر دراستنا على عقد نقل البضائع٬ وتسلّط الضوء على طبيعة العقد والالتزامات والمسؤوليات التي يُرتّبها.

الفرع الأوّل: ماهية عقد النّقل وإثباته:

أوّلا: ماهية عقد النّقل:

‌أ) تعريف عقد النّقل:

عرّفت المادّة 738 ق بح ج عقد النقل البحري هو اتفاق بمقتضاه يقوم الناقل بنقل بضاعة الشاحن بحرًا من ميناء إلى ميناء آخر لقاء مبلغ يسمّى أجرة الحمولة. وأوضحت المادّة 739 ق بح ج بأنّ تنفيذ العقد يبدأ باستلام الناقل للبضاعة من الشاحن وينتهي بتسليمها إلى المرسل إليه أو ممثله القانوني.

غير أنّه يُؤخذ على هذا التعريف أنه لم يورد تحديد المقصود من البضائع٬ وهل يمكن أن يمتدّ مفهوم البضائع إلى الحاويات وكل أنواع المنقولات.

‌ب) خصائص عقد النقل:

- عقد النقل البحري عقد رضائي يكفي لانعقاده تطابق إرادتي الطرفين ولا يشرط لانعقاده شكل معيّن. وهو ملزم للجانبين٬ يلتزم فيه النّاقل بنقل البضاعة بحرًا من ميناء إلى ميناء٬ ويلتزم فيه الشاحن بدفع أجرة النقل. وهو من عقود الإذعان٬ فالشاحن يقبل البنود والشروط التي يضعها الناقل في العقد دون مناقشته. وهو ما عبّرت عنه المادة 70 من القانون المدني على أنّه "يحصل القبول في عقد الإذعان بمجرد التسليم لشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها".

ويسبب طبيعة الإذعان في عقد النقل البحري تدخّل التشريع الدّولي لحماية الطرف الضعيف وهم الشاحنون بموجب معاهدة بروكسل الخاصة بسند الشحن 1924 (المصادق عليها من قبل الجزائر مثلما يتبيّن من المادّة 747 ق بح ج والمادّة 805 القديمة ق بح ج) والمعتدلة ببروتوكول 1968 ثمّ حلّت محلّها معاهدة جديدة سمّيت بقواعد هنبرج Règles de Hambourg لسنة 1978.

- عقد النقل البحري هو عمل تجاري بالنسبة للمجهّز المتعهّد بنقل البضاعة بحرًا٬ مثلما أكد المشرع الجزائري في المادة الثالثة من القانون التجاري على أنّه يعتبر عملا تجاريا بحسب الشكل كل عقد تجاري يتعلق بالتجارة البحرية والجوية.

لكنّه بالنسبة للشاحن قد يكون عملا تجاريًّا بالتبعية إذا قام به في مشروع تجاري وكان النقل مرتبطا بنشاط هذا المشروع.

ثانيا: إثبات عقد النقل:

جرى العمل على إفراغ شروط عقد النقل البري في محرّرات لأنّ شروطه كثيرة ومعقّدة ويستغرق تنفيذها فترة طويلة٬ يصعب فيها الإعتماد على الشهود فقط٬ ممّا يؤدّي إلى الكثير من المشاكل بخصوص تنفيذ العقد٬ ورغم كون عقد الإستئجار وعقد النقل البحري من الأعمال التجارية٬ فإنّ القانون البحري على غرار مُعظم تشريعات العالم يخرج عن مبدأ حرّية الإثبات في القانون التجاري ونصّ صراحة على الكتابة في المادة 749 من القانون البحري على أنّه:" تشكل وثيقة الشحن الإثبات على استلام الناقل للبضائع الذي ذكرت فيها بقصد نقلها عن طريق البحر وتعتبر أيضا كسند لحيازة البضائع واستلامها"

إذن يُثبت عقد النقل البحري بالكتابة وتُسمى الورقة المثبتة لعقد النقل البحري وثيقة الشحن Connaissement H أو سند الشحن. نظمه المشرع الجزائري بفصل كامل في المواد 769-748 ق بح ج وهو إيصال يوقّع عليه النّاقل أو ممثّله الربّان بتسلّمه البضاعة على ظهر السفينة.

‌أ) حجّيّة سند الشحن في الإثبات:

يؤدّي سند الشحن دورًا هامًّا ضمن عملية النقل البحري٬ وذلك في حيازة البضاعة وسهولة تداولها٬ فهو حجّة بالنسبة لطرفي العقد وبالنسبة للغير.

1) حجّية سند الشحن بين طرفي العقد: لوثيقة الشحن ثلاث وظائف قانونية أساسية في الإثبات بين الطرفين:

1- إثبات عقد النقل بين طرفيه: حيث يكون لبيانات سند الشحن حجّيّة كاملة في إثبات عقد النقل سواء من حيث الشروط أو الحقوق والالتزامات٬ وهو بذلك وثيقة هويّة للبضاعة.

2- إثبات واقعة الشحن: أي استلام البضاعة من طرف الناقل كما هي مبيّنة في الوثيقة٬ غير أنّها حجّية نسبية م 761 لأنّه قرينة يمكن إثبات خلافها بكافّة طرق الإثبات عكس القواعد العامّة التي تقضي بأنّ نفي الكتابة يكون بالكتابة.

3- إثبات حيازة البضاعة: يعتبر حامل سند الشحن هو مالك البضاعة ويحقّ له التصرّف فيها خلال النقل بالبيع أو الرّهن. ويخوّله حق المطالبة بتسليم البضاعة له في ميناء الوصول٬ لأنّ تسليم سند الشحن يقوم مقام تسليم البضاعة٬ حيث له أن يتمسّك في مواجهة الحائز الفعلي بقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية. الم 749 ق بح ج.

2) الحجّية بالنسبة للغير: سند الشحن حجّة مطلقة بالنسبة للغير كالمرسل إليه في مواجهة الناقل والشاحن م 749

وكذلك حجّة للناقل والشاحن في مواجهة الغير٬ لذا يجب على الشاحن أن يرسل سند الشحن إلى المرسل إليه كي يستلم البضاعة من الناقل. وحمل المرسل إليه لسند الشحن هو دليل على استلامه البضاعة وينهي إلتزام الشاحن تجاهه.

‌ب) بيانات سند الشحن:

هذه البيانات تهدف تحديد عناصر عقد النقل٬ وإعطاء وصف للبضائع المراد نقلها٬ وتسمح للناقل  بإدراج تحفظاتها بخصوص البضائع المحزومة والتي لا يعلم محتواها. وليس هناك أي جزاء على تخلف بيان من هذه البيانات المذكورة فتخلّف أحد هذه البيانات لا يستتبع بطلان العقد٬ فعقد النقل البحري عقد رضائي.

ووثيقة الشحن إمّا أن تكون إسمية أي بإسم المرسل إليه٬ أو وثيقة شحن لأمر حيث يمكن نقلها بالتظهير٬ أو وثيقة شحن لحامها تنقل بتسليمها حيث تسلّم البضاعة لمن يحمل الوثيقة.

سند الشحن اشتهر بالشروط التي يميلها النّاقل٬ حيث يطبعها في نماذج مطبوعة مسبقا (Imprimé) فيها مربعات مخصصة تملأ فيها بيانات الشاحن والمرسل إليه وتحديد البضائع٬ وقسيمة النقل ...الخ. وهذه الشروط لا يملك الشاحن إلا قبولها٬ يهدف بها النّاقل إلى إعفاء نفسه من مسؤولية هلاك البضاعة. وذلك عن طريق ذكر شروط تؤدّي إلى إهدار حجّيّة السند في إثبات مسؤولية التلف أو الهلاك. ومن أمثلة الشروط المعفية من المسؤولية٬ تجهيل الوزن والمقدار والمقاس والقيمة والمحتويات. كما يستطيع الناقل وضع شروط تعفيه من أضرار محدّدة كالكسر أو الصدأ أو انسياب السوائل٬ أو انتفاخ الحيوانات٬ والسرقة والحريق والغرق وحوادث الآلات٬ وهي إعفاءات يحيزها القانون المدني ما لم تكن عن عشّ أو خطأ جسيم.

- وهذه الشروط المعفية تؤدّي إلى الإضرار بالشاحن والمرسل إليه عند تداول سند الشحن٬ فيصعب عليه أن يجد مشتريًا لبضاعة مجهولة٬ وهذا ما يدفع الشاحن إلى محاولة الحصول على سند شحن نظيف٬ أي الخال من التحفظات أو الإعفاءات٬ وفي مُقابل ذلك يقدّم الشاحن للنّاقل ما يسمّى خطاب الضمان٬ وهو ورقة يتعهّد بموجبها الشاحن بعدم مقاضاة الناقل في حالة التلف٬ وحجّيتها مقصورة على هذين الطرفين فقط لكن القانون البحري الجزائري يبطل كلّ مراسلات من هذا النوع ولا يجيز هذه الإعفاءات للنّاقل الم 757 ق بح ج. لكن يجيز له إبداء التحفظات على البضاعة.

- ونظرًا لمتطلّبات السرعة تدوّن البيانات على السند بناءً على التصريح الكتابي للشاحن الم 735 ق بح ج ويُحرّر بعدد النسخ التي يحتاجها الشاحن الم 761-760 ق بح ج٬ وتوجب المادّة 752 أن يذكر في سند الشحن البيانات الآتية:

1- البضاعة المشحونة نوعها٬ مقدارها٬ أوصافها المميّزة لها.

2- إسم الشاحن والمرسل إليه ومحلّ إقامتهما.

3- إسم مُصدر الورقة وتوقيعه الناقل أو الربّان.

4-إسم السفينة التي يتمّ عليها النقل وجنسيتها.

5- مقدار أجرة النقل.

الفرع الثاني: آثار عقد النقل:

يُنفّد العقد بتنفيذ الإلزامات وتحمُّل المسؤوليات التي تترتّب عن الإخلال بالإلتزام.

أوّلاً: إلتزامات الطرفين:

‌أ) إلتزامات الناقل: إنّ الإلتزام الرئيسي للناقل هو نقل البضاعة وتنفيذه يقتضي التزامات أخرى تلخص فيما يلي:

1) الإلتزام بتحضير السفينة: الم 770 ق بح ج بأن تكون صالحة للملاحة ومزوّدها بالتسليح والتجهيز والتموين اللازم٬ وأن يقوم الناقل بتنظيف وترتيب العنابر وأقسام السفينة التي توضع وتحفظ فيها البضاعة.

2) الإلتزام باستلام البضاعة عن الشاحن: يعني قيام النّاقل بشحن البضاعة أو تحميلها عن طريق رفع البضاعة من رصيف ميناء القيام ووضعها على ظهر السفينة.

والشحن هو في الأصل حسب الأعراف البحرية وقوانين بعض الدّول من التزامات الشاحن٬ لكن المشرّع الجزائري جعله من التزامات النّاقل حسب المادّة 773 وقصر التزام الشاحن بالنسبة للبضاعة على مُجرّد تقديمها إلى الرصيف حسب المادّة 772.

3) الإلتزام برصّ البضاعة: نظمته المواد 773-774 ق بح ج٬ والرّص هو ترتيب البضاعة وتوزيعها في العنابر أو على السطح بشكل يحفظها ويحفظ توازن السفينة٬ بحسب نوع البضاعة٬ ويكون ببذل العناية إلا إذا كان نوع البضاعة يتطلّب عناية خاصّة٬ وللرّص تقنيات تضمّنتها معاهدة لندن 1966 الخاصّة بخطوط الشحن.

4) الإلتزام بتسليم البضاعة إلى المُرسل إليه: الذي يطالب بها بموجب وثيقة الشحن في المكان المتّفق عليه م 784 – 782 والتسليم هو تصرّف قانوني يكتمل بعملية التسليم المادّية للبضاعة إلى المرسل إليه أو ممثله مع إبداء قبوله لها ما لم ينص الاتفاق على غير ذلك. الم 739 ق بح ج. وينجم عن هذا الإلتزام التزامان آخران هما.

- إلتزام الناقل بعملية تفريغ البضاعة بفكّها وإنزالها بعناية٬ وفق ما نصّت عليه المادّة 780 فهو في الأصل من التزامات الشاحن أو المُرسل إليه.

- الإلتزام بإيداع البضاعة في مُستودع أمين في حالة امتناع المُرسل إليه عن استلامها أو كونه غير معروف مع إعلام الشاحن بذلك الم 793. مع أحقية النّاقل في المطالبة بالتعويض عن أي تأخير.

‌ب) إلتزامات الشاحن: يلتزم الشاحن ب:

1) تقديم البضاعة في الوقت والمكان المحدّدين في العقد تحت طائلة تعويض يدفعه الشاحن للناقل بقدر خسائره الناجمة عن التأخير٬ على أن لا يزيد عن أجرة النقل المادّة 772 ق بح ج.

2) دفع أجرة النقل للناقل يحدّدها الإتفاق أو عرف الميناء٬ ويمكن أن يدفعها المرسل إليه رغم عدم كونه طرفًا في العقد إذا كان يقضي باستلام الأجرة عند الوصول من قبل المرسل إليه٬ ويكون للنّاقل ضمان حبس البضاعة أو الإمتياز عليها لاستيفاء الأجر ومصاريف التفريغ والإيداع. ولا تستحق الأجرة إذا هلكت البضاعة بإهمال الناقل. م800 ق بح ج.

ثانيا: مسؤوليات الأطراف:

- يُسأل النّاقل في حالة إخلاله بالتزاماته المذكورة أعلاه٬ وهي التزام بنتيجة٬ فهو يلزم بالتعويض إذا لم تصل البضاعة أو تأخر وصولها أو وصلت تالفة أو هالكة.

وإذا أراد النّاقل إعفاء نفسه من المسؤولية فعليه إثبات السبب الأجنبي٬ مثل خطأ الشاحن٬ أو خطأ الغير أو القوّة القاهرة أو العيب الذاتي الظاهر أو الخفي للبضاعة٬ أو الحريق الخارج عن فعل الناقل٬ أو الاضطرابات وغلق المستودعات والمصانع.

- يسأل الشاحن عن الأضرار اللاحقة بالسفينة والناجمة عن أخطائه أو أخطاء مندوبيه الم 779 ق بح ج.

المطلب الثالث: البيوع البحرية Les Ventes Martimes

غالبًا ما يكون عقد النقل البحري أداةً رئيسيةً في تنفيذ صفقات التجارة الدّولية. حيث تسمى عملية بيع السلع التي يتمّ نقلها بحرًا بالبيع البحري٬ ويكون البائع عادة هو الشاحن والمشتري هو المرسل إليه٬ ويستلزم تسليم البضاعة إبرام عقد نقل بحري مع النّاقل٬ وهذا الأخير لا يدخل في عقد البيع بل يقتصر دوره على نقل البضاعة بحرًا.

فالبيع البحري هو بيع عادي يخضع للقواعد العامة للقانون المدني والقانون التجاري لكن نظرًا لأنّ التسليم يتمّ عن طريق البحر فإنّه تكون له خصوصيّة تُخضعه لبعض الأحكام الواردة في القانون البحري والاتفاقيات الدّولية البحرية.

هناك تداخل بين عقد النقل وعقد البيع البحري لكن لا ينبغي الخلط بينهما٬ فمن جهة ليس كل نقل لبضاعة عن طريق البحر هو بيع بحري٬ فالبيع البحري هو البيع الذي يكون فيه تسليم المبيع عن طريق البحر بندًا من بنوده٬ فإمّا أن يتحمل البائع إبرام عقد النقل وإمّا أن يتحمّله المشتري.

عقد البيع البحري يُرتّب حقوقًا تختلف بحسب نوع البيوع البحرية وهي تنقسم إلى طائفتين يكون معيار التّفرقة بينهما هو مكان تسليم البضاعة٬ فإذا كان التسليم في ميناء القيام أي الإنطلاق فهو من بيوع القيام٬ وإذا تمّ التسليم في ميناء الوصول فهو من بيوع الوصول.

وتكمن أهمّية التمييز بين أنواع البيوع في من يتحمّل مسؤولية مخاطر الطريق٬ وذلك مرتبط بملكية البضاعة٬ فإذا تمّ البيع عند القيام تتنقل الملكية عند القيام ومن ثمّ يتحمل المشتري مخاطر الطريق٬ وإذا تمّ البيع عند الوصول لا تنتقل الملكية إلا بعد انتهاء الرحلة بالوصول٬ ومن ثمّ تكون مخاطر الطريق على البائع. عندما كانت السفن شراعية لم يكن من المعقول أن يقبل المشتري تحمّل مخاطر البحر٬ لكن بظهور السفينة البخارية وظهور الملاحة المنتظمة التي تكون مواعيدها دقيقة٬ وبظهور سند الشحن وبظهور التأمين تغيّر الأمر وأصبح يهمّ المشتري أن يتملّك البضاعة عند شحنها٬ ممّا زاد في أهميّة البيوع البحرية.

ورغم أهمّية البيوع البحرية إلا أنّ القانون البحري الجزائري لم يتضمّن تنظيمًا لهذه البيوع٬ ولذلك فهي ليست إلزامية بل هي قواعد عرفية قد يتفق الأطراف على اتّباعها. وقد سنّت الجمعية الدولية قواعد البيوع البحرية عُرفت بقواعد وارسو وأكسفورد جاء بعضها في مؤتمر وارسو لسنة 1928م وبعضها الآخر في التعديل الذي تمّ بموجب مؤتمر أكسفورد سنة 1932م. على عكس المشرّع الفرنسي الذي نضّمها في تشريعاته البحرية بموجب القانون 03/01/1969م.

الفرع الأوّل: بيوع القيام Les Ventes au Départ

هي ذلك البيوع التي يتّفق فيها البائع والمشتري على تسليم البضاعة في ميناء القيام أي عند الشحن وقبل انطلاق السفينة التي تنقلها٬ وتأخذ هذه البيوع عدّة صور وهي البيع على ظهر السفينة F.O.B والبيع على الرصيف F.A.S والبيع بتسليم البضاعة مع إبرام عقد النقل والتأمين على البضاعة C.I.F.

أوّلا: البيع سيفCost. Insurance.Freight) C.I.F):

‌أ) تعريف البيع: C.I.F المصطلح هو اختصار مكوّن من الحروف الأولى لثلاث كلمات باللّغة الإنجليزية هي cost تعني الثمن وInsurance تعني التأمين وFreight وتعني أجرة النقل. تقابلها باللّغة الفرنسية( Cout Assurance Fret (C.A.F وهي أسماء العناصر التي تدخل في تكوين الثمن في عقد البيع. ويقصد به البيع الذي يلتزم فيه البائع بشحن البضاعة ونقلها والتأمين عليها مقابل التزام المشتري بدفع مبلغ إجمالي يشمل ثمن قيمة البضاعة وقسط التأمين وأجرة النقل.

- ولهذا العقد مزايا يستفيد منها الطرفان٬ فهو يفيد البائع في أنّه لا يتحمل تبعة هلاك البضاعة بقوّة قاهرة ابتداءًا من وقت شحنها٬ فيستحقّ ثمنها بعد الشحن بغضّ النظر عن مصيرها. ويفيد المشتري في أنّه يصبح مالكًا للبضاعة منذ شحنها ممّا يسمح له بالتّصرّف فيها٬ كما أنّه يعفيه من عبء إبرام عقد النقل البحري وعقد التأمين على البضاعة في مكان بعيد عن مكان وجوده٬ فهو الذي يلتزم بإبرام عقد البيع إلا أنّه يتفق مع البائع على نيابته في إبرام عقد النقل على مسؤولية المشتري على أن يُدخل في الثمن أجرة النقل وقسط التأمين. والتأمين على البضاعة هو تأمين له من مخاطر النقل البحري.

‌ب) آثار البيع السيف:

1) إلتزامات البائع: يلتزم البائع في البيع سيف ب:

1- تسليم البضاعة المتفق عليها وعادة ما يلجأ البائع إلى استصدار شهادة على النوعية Certificat de Qualité من الخبراء٬ لأنّ استلام البضاعة من طرف المشتري يكون بقبوله لها بعد تفحصها والتأكّد من مطابقتها للمواصفات المدوّنة في سند الشحن٬ فإذا ادّعى المشتري عدم المطابقة ورفض الاستلام فعليه إثبات عكس محتوى الشهادة.

2- شحن البضاعة على متن السفينة وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاق٬ حيث يتحمّل عبء البحث عن السفينة المناسبة وإبرام عقد النقل.

3- يلتزم بدفع أجرة النقل للناقل والتأمين على البضاعة. تأتي هذه الالتزامات الثلاثة تحت طائلة الفسخ على مسؤوليته عند الإخلال بها٬ كعدم مطابقة البضاعة للنوعية والمواصفات٬ ومن ثمّ يتحمّل البائع دفع التعويض للمشتري.

4- إرسال الوثائق والمستندات المتعلّقة بالبضاعة إلى المشتري لممارسة حق استلامها أو الرجوع على شركة التأمين عند هلاكها٬ وهي سند الشحن وشهادة التأمين وشهادة النوعية.

2) إلتزامات المشتري: يلتزم المشتري بدفع الثمن المتفق عليه٬ وهو يشمل قيمة البضاعة وأجرة النقل وقسط التأمين٬ ويكون الدفع عادة بقيام المشتري لدى البنك الذي يتعامل معه بفتح اعتماد مستندي Crédit Documentaire لفائدة البائع٬ يمكّنه من صرف ثمن البضاعة من فرع البنك المشتري الموجود في بلده٬ بقاء رهن على البضاعة بضمان سند الشحن يسترجع البنك بموجبه ما دفعه للمشتري بعد انتهاء التسليم. حيث يتعيّن على البائع لصرف الثمن أن يقدّم المستندات الممثلة للبضاعة وهي سند الشحن والفاتورة وبوليصة التأمين بعد وصول خطاب الاعتماد.

ثانيا:البيع فوب Free On Board) F.O.B)

هو البيع الذي يلتزم فيه البائع بتسليم البضاعة في ميناء القيام (الشحن) على ظهر السفينة التي يحدّدها المشتري٬ وقد يتّفق الطرفان على أن يكون التسليم ليس على ظهر السفينة بل على الرّصيف بجانب السفينة ويسمّى البيع F.A.S أي البيع على الرّصيف بجانب السفينة Free. Along.Side.

- يختلف عن البيع سيف في أنّ المشتري هو الذي يختار السفينة٬ إمّا شخصيًا أو بواسطة الوكيل بالعمولة٬ وهو الذي يتكفّل بإبرام عقد النقل ودفع أجرة النقل والتأمين على البضاعة٬ لذا عليه أن يوجّه السفينة إلى ميناء الشحن وإخطار البائع بإسمها٬ فالبائع لا شأن له بعملية النقل٬ ولهذا توصي الدول رعاياها التجار بالبيع بسيف والشراء بفوب من أجل دعم الشركات النّقل الوطنية.

- ويختلف البيع فوب عن البيع سيف في أنّه لا يحقّ فيه للمشتري فسخ العقد عند إخلال البائع بالتزاماته٬ بل يحق له التعويض فقط عن الضرر اللاحق به.

الفرع الثاني: بيوع الوصول Les Ventes à L'arrivée

بيوع الوصول هي البيوع التي يتّفق فيها الطرفان على تسليم البضاعة في ميناء الوصول. وفيها يتحمّل البائع إبرام عقد النقل البحري الذي يمثّل بالنسبة للبائع تمهيدًا لتنفيذ عقد البيع. فالبضاعة محل عقد البيع تسافر بحرًا على مسؤولية البائع الذي يتحمّل مخاطر الطريق وتبعة الهلاك٬ لأنّه يظل مالكها أثناء تنفيذ عقد النقل البحري إلى حين وصولها إلى ميناء التفريغ وتسليمها للمشتري.

- والفاتورة التي يقدّمها البائع طلبًا للثمن في عقد البيع لا يظهر فيها إلا سعر قيمة البضاعة٬ فلا يظهر مبلغ التأمين ولا أجرة النقل كما في بيع القيام٬ لكنّ البائع يأخذهما بعين الإعتبار في تقدير سعر البضاعة٬ وتكون تغيراته أثناء الرحلة على مسؤوليته. ولا تتنقل ملكية المبيع إلى المشتري إلا بعد نقلها وتسليمها.

- وتنقسم هذه البيوع إلى نوعين هما البيع بسفينة معينة والبيع بسفينة غير معيّنة ويترتّب على التفرقة بين نوعي البيوع آثار قانونية.

أوّلا: البيع بسفينة معينة Vente Sur Navire Désigné:

هو البيع الذي يلتزم فيه البائع بنقل البضاعة على سفينة معيّنة بالذات في عقد البيع٬ إلى ميناء الوصول وتسليمها للمشتري. حيث لا تكون البضاعة مفرزة لأنّها ليست معينة إلا بنوعها وكمّها٬ لكنّها تصبح مفرزة بتعيين السفينة٬ ولذلك فالأصل أن انتقال ملكية البضاعة يكون منذ إفراز البضاعة بتعيين السفينة وإتمام عملية الشحن٬ لكن يتمّ الإتفاق على تأجيل التسليم إلى حين وصول السفينة إلى ميناء التفريغ٬ فتبقى ملكيتها للبائع الذي يتحمّل النقل البحري ومخاطر الطريق٬ فإذا هلكت البضاعة في الطريق لأسباب خارجة عن إرادة البائع يبرأ المشتري من دفع الثمن وينفسخ العقد ولا يحق له مطالبة البائع بتسليم بضاعة أخرى من نفس النوع.

ثانيا: البيع بسفينة غير معيّنة Vente à l'embarquement

هو البيع الذي يلتزم فيه البائع بنقل البضاعة إلى ميناء الوصول وتسليمها للمشتري على سفينة غير معيّنة بالذات في عقد البيع٬ أي يحدّدها البائع بإرادته المنفردة في تاريخ لاحق للعقد٬ ولا يتدخّل للمشتري في عقد النقل البحري لا في إبرامه ولا في اختيار السفينة.

ويترتّب على ذلك عدم إفراز البضاعة عند إبرام عقد البيع أو عند الشحن بل عند وصولها إلى ميناء التفريغ وتسليمها للمشتري٬ ولذلك إذا هلكت البضاعة في الطريق بقوة قاهرة يكون هلاكها على مسؤولية البائع٬ فلا يدفع المشتري ثمنها لأنّه لم تنتقل ملكيتها إليه ولم يتم تسليمها له٬ ولكن نظرًا لأنّ البضاعة غير مفرزة يحقّ للمشتري مطالبته بتسليم بضاعة أخرى من نفس النّوع بدل البضاعة الهالكة إن كانت من المثليات.

المرجع:

  1. د. روابح فريد، محاضرات في القانون البحري، جامعة سطيف (2) محمد الأمين دباغين، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، سطيف، السنة الجامعية 2013-2014، ص49 إلى ص67.

التحميـل  

google-playkhamsatmostaqltradent