المركزية الإدارية

 المركزية الإدارية

تعبّر المركزية الإدارية عن نسقٍ إداريٍ مؤسّسٍ على الإنفراد المطلق في صيّاغة القرارات الإدارية، (أولا)، يقوم على جملة من الأركان (ثانيا).

تقوم المركزية الإدارية أساساً على صورتين (ثالثا)، يتطلب الأمر الوقوف عندها، للتوصل للقول بمدى نجاعتها كأسلوب فنيّ للتنظيم (رابعاً).

أولا: تعريف المركزية الإدارية

تعدّدت التعاريف المقترحة للمركزية، وان كانت تصّب في مجملها على معنى واحد، فعُرفت على أنها: "انفراد سلطة إدارية واحدة مقرها العاصمة بممارسة كل الوظائف الإدارية، بحيث تتولى كل المهام عن طريق تابعيها الخاضعين لسلطتها في مختلف أرجاء الدولة"، أو هي" قصر الوظيفة الإدارية في الدولة على ممثلي الحكومة المركزية، فهي تقوم على تركيز السلطة بين أيدي الإدارة المركزية مع خضوع موظفي الإدارة لنظام السلم الإداري (كرابطة عضوية)، وتركيز العلاقة بين مختلف درجات هذا السلم على مبدأ السلطة الرئاسية (كرابطة موضوعية)"

وعليه، ينصب أسلوب المركزية الإدارية عموماً، على تركيز جميع السلطات في أيدي الحكومة المركزية، التّي يعود لها أمر البثّ النّهائي في جميع القضايا الإدارية ذات الأهمية الكبرى أو الصغرى على حدّ السّواء.

ثانيا: أركان المركزية الإدارية

تقوم المركزية الإدارية على أساس التّوحيد وعدم التّجزئة، حيث تقوم السلطة التنفيذية بالسّيطرة على جميع الوظائف الإدارية من تخطيطٍ، توجيهٍ، رقابةٍ وتنسيقٍ (أ)، وما على السّلطة الدنيا في هذا النظام إلا الالتزام بالقرارات الصادرة عن السّلطة العليا، حيث تقسيم الموظفين إلى درجات تعلو بعضها بعضا في سلم إداري منتظم (ب)، تضبطهم السّلطة الرئاسية (ج).

أ) تركيز الوظيفة الإدارية بين أيدي الإدارة المركزية: 

يقصد بتركيز وحصر الوظيفة الإدارية في السّلطة المركزية، جَعل مرحلة اتّخاذ القرار النّهائي في يدّ السلطات الإدارية المركزية (رئيس الجمهورية، الوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة، الوزارء والولاة)، دون سواها وفي جميع الشؤون الداخليّة للإدارة.

غير أنّه، لا ينبغي أن يفهم من تركيز السّلطة عدم تقسيم أراضي الدّولة إلى أقسام إدارية على أسس جغرافية، إذ لا يمكن تصوّر قيام الدّولة بتسيير كلّ أجزاء الإقليم عن طريق جهازها المركزي وحده، فلا مفرّ من توزيع العمل على إداراتها المختلفة، إنّما المقصود من ذلك هو مباشرة تلك الوحدات لعملها تحت إشرافٍ مباشرٍ وكامل للسّلطة المركزية، فليس لها وجودٌ ذاتي مستقل.

ب) خضوع موظفي السلطة المركزية لمبدأ التبعية الإدارية المتدرجة والسلطة الرئاسية: 

يقوم نظام المركزية الإدارية على وجود هرم أو سلم إداريٍّ متدرجٍ، يضمّ أعوان كل سلطة من السّلطات المركزية بجميع الهياكل الإدارية في هذا الإطار، متدرجين من أسفل الهرم الإداري إلى قمّته، وكذا الأعوان العاملين بكل هذه الهياكل، حيث نجد في قاعدة الهرم الإداريّ صغار الموظفين، ثم يتدرّج الهرم إلى الأعلى حيث يوجد الموظّفين الأعلى درجة حتّى نصل إلى القمّة، فالموظف الذّي يرأس الأدنى منه يعتبر في نفس الوقت مرؤوسا من الموظف الأعلى منه درجة، وفي القمّة يعتبر الوزير الرّئيس الإداري الأعلى للجميع.

ج) السلطة الرئاسية:

يقوم نظام المركزية الإدارية على تدرّجٍ هرميٍّ، تسوده قاعدة جوهرية هي السّلطة الرّئاسية التّي يمارسها الموظف الأعلى درجة على الموظف الأدنى منه، بمختلف مظاهرها.

1) تعريف السلطة الرئاسية: تترجم السّلطة الرّئاسية بجملة الاختصاصات التي يتمتع بها كل رئيس في مواجهة مرؤوسيه، في إطار رابطة التّبعية والخضوع، فهي ليست امتيازا أو حقّا مطلقا للرئيس الإداري، إنّما اختصاصا مصدره القانون، تفرضه المصلحة العامة، وما تتطل به المرافق العامّة من حسن السٍّير حفاظاً على المال العام، وما يميّز السلطة الرئاسية أنّها مفترضة لا تحتاج إلى نصّ قانونيّ يقرّرها، كما أنهّا شاملةً لأشخاص وأعمال المرؤوسين.

2) مظاهر السلطة الرئاسية: يمارس الرّئيس على مرؤوسيه جملة من الاختصاصات التّي خوّله إيّاها القانون، سواء على أشخاصهم (2/1) على غرار أعمالهم (2/2).

2/1) سلطة الرئيس على شخص المرؤوس: تتمثل في ما للرئيس الإداري من صلاحيات على شخص المرؤوس طوال مشواره المهنيّ من التّعيين، الترقية، العزل، النّقل، التأديب، وباعتبارها سلطات مستمدة من القانون يمكن للمرؤوس التّظلم منها إداريا أو الطعن فيها قضائيا متى شيبت بعيب إساءة استعمال السلطة.

2/2) سلطات الرئيس على أعمال مرؤوسيه: تأخذ سلطة الرّئيس على أعمال مرؤوسه مظهرين، سلطة توجيه المرؤوس (رقابة سابقة)، وممارسة الرّقابة والتعقيب على أعماله (رقابة لاحقة).

- سلطة التوجيه:

تمارس سلطة التّوجيه عن طريق توجيه الأوامر، التّعليمات والإرشادات سواء شفاهة أو كتابياً (المنشورات، الدّوريات)، وليس للمرؤوس إلا تنفيذها متّى كانت مشروعة، وله مناقشة الرّئيس في حدود أخلاقيات الوظيفة.

ثار جدل فقهيّ حول مسألة توجيه الرّئيس لأوامر غير مشروعة، فهل على المرؤوس تنفيذها أم له الاعتراض عليها؟، وهو ما انبثقت عنه ثلاث آراء مختلفة، حيث يدّعم أصحاب الرأي الأوّل، بزعامة الفقيه "ليون دوجي"، مبدأ المشروعيّة، إذ لا يلزم المرؤوس بأوامر الرئيس غير المشروعة، وان استثنى طائفة الجنود باعتبارها آلة للإكراه محرومة من التّفكير.

وان عزّز هذا الرأي مبدأ المشروعية، إلا أنّ الأخذ به يزعزع مبدأ السّلطة الرّئاسية ويخلّ بالتّنظيم الإداري، ويعرقل الجهاز الإداري لما يتطلبه الأمر من فحص أوامر الرّئيس الإداري.

في حين منح الرأّي الثّاني بزعامة الفقيه "موريس هوريو"، لعنصر الطّاعة أولوية على الالتزام بمبدأ المشروعية، من خلال إلزام المرؤوس بأوامر الرئيس غير المشروعة.

أما الرأي الثالث، تبنى موقفا وسطاً، تصدره القضاء الفرنسي وتبنّاه الفقه الألمانيّ بزعامة "لابند"، واعتبر الأوامر غير المشروعة ملزمة في حدود معينة لكي لا تكون طاعة الموظّف للرّئيس الإداري طاعة مطلقة، وألاّ يتحوّل إلى آلة محرومة من الابتكار، وما على المرؤوس إلاّ التأكد من صدور الأوامر من سلطة مختصة، وأن تنفيذها يدخل في نطاق اختصاصه، أي التّحقق من المشروعية الشّكلية، وفي حالة عدم المشروعية ينبه الرئيس بذلك كتابة، وان أصر هذا الأخير على تنفيذ الأوامر غير المشروعة، يتحمّل المرفق العام ما قد ينجم عن تطبيقها من مخاطر.

من جهته، المشرّع الجزائري، تعرّض للمسألة بموجب المادة 129 من القانون المدني ، وألزم المرؤوس بتنفيذ الأوامر الصّادرة إليه من رئيسه متى كان تنفيذها التزاما وظيفيّا، واذا تضمّنت تجاوزات ،فالخطأ المرتكب بمناسبة تنفيذها عدّ خطأ مرفقيّاً.

بالإضافة لسلطة التوجيه، يمارس الرئيس الإداري رقابة بعدية على مرؤوسيه من خلال الرّقابة والتعقيب.

- سلطة الرقابة والتعقيب: تتج سّد سلطة الرّقابة والتعقيب باعتبارها نوعٌ من الرقابة اللاحقة، في جملة الصلاحيات المخوّلة للرّئيس وهي:

- سلطة المصادقة على أعمال المرؤوس صراحة أو ضمنيا.

- سلطة التعديل: يخول القانون للرئيس تعديل أعمال المرؤوس، للحفاظ على مبدأ المشروعية، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة العامة (مبدأ الملاءمة).

- سلطة الإلغاء: والتي يفهم منها قيام السلطة الإدارية المختصة بإلغاء القرارات الإدارية بأثر فوري (تسري أثارها على المستقبل دون الماضي)، غير المشروعة عل غرار المشروعة، لاعتبارات الملاءمة وظروف ومعطيات العمل الإداري.

- سلطة السحب: والتّي تقوم على إعدام الآثار القانونية للقرارات الإدارية بأثر رجعي ،بالنسبة للماضي والمستقبل، ونظرا لخطورتها تقتصر فقط على القرارات الإدارية غير المشروعة دون المشروعة، على أن تمارس في مدة قانونية محدّدة.

- سلطة الحلول: يقضي المبدأ العام تولي كل إداريٍّ للمهام المنوطة به تطبيقا لمبدأ توزيع الاختصاص، رغم ذلك يمكن للرّئيس الحلول محلّ مرؤوسيه لما له من سلطة عليهم، في حالة تقاعسهم عن ممارسة اختصاصاتهم، على شرط تنبيههم بضرورة القيام بذلك.

ثالثا: صور المركزية الإدارية

يتميز نظام المركزية الإدارية بتركيز كل مظاهر السلطة الإدارية في يد السلطة المركزية، التّي تنفرد بسلطة إصدار القرارات الإدارية (أ)، وان كان لها منح بعض الصلاحيات لموظفيها عبر مختلف مناطق البلاد، في إطار عدم التّركيز الإداري (ب).

أ) التركيز الإداري: 

أو ما يسمى بالمركزية المتطرّفة، الوزارية ،المركزية المكثّفة، أو المركزية الوحشيّة ،المركزية المطلقة، أو المركزية الكاملة ،وهو الصور البدائية للمركزية الإدارية، يقوم على حصر وتركيز سلطة ا تخاذ القرارات في كل الشؤون الإدارية في يدّ الوزراء وحدهم بالعاصمة، ويجرد ممثلي الأقاليم والهيآت من سلطة اتخاذ أيّ قرار.

ب) عدم التركيز الإداري:

أو ما يطلق عليه اللاّوزارية، اللاّمركزية المعتدلة أوالمخففة، المركزية النسبيّة، ويعرَّف على أنّه: "نقل بعض الصلاحيات والاختصاصات من المركز إلى فروع الوزارات في الأقاليم المختلفة" ، ولا يمكن اعتباره من الإدارة المحليّة، يقوم على منح بعض الموظفين في الوازرة أو الإقليم صلاحية ا تّخاذ القرار النّهائي دون الحاجة للرجوع للوزير المختصّ بالعاصمة، أو حتى تعهَد الصّلاحية لِلجان يتم استحداثها لهذا الغرض، بسبب استحالة تحكُم الوزير في جلّ متطلبات إقليم الدّولة، خاصة مع تطور الحياة ونمط المعيشة ،وتعقدها وما صاحبه من تزايد متطلبات الجمهور، وهذا الأسلوب من التنظيم الإداري لا يتعدى كونه مجرد تفويض اختصاص.

من أبرز وسائل تحقيق عدم التركيز الإداري نظام تفويض الاختصاص، الذي يقوم على نقل جانب من اختصاصات السّلطة الإدارية المركزية إلى أعوانها أو ممثليها عبر الوطن، شرط أن يسمح به القانون، دون أن يعني ذلك استقلالية المفوَّض إليه عن السلطة المركزية ويتم تحت رئاسة الرئيس الإداري صاحب الاختصاص الأصيل، وعليه فتفويض الاختصاص يقصد به "نقل أو تحويل صلاحية اتخاذ بعض القرارات الإدارية من صاحب الاختصاص الأصيل إلى غيره من المرؤوسين الإداريين، وغالبا ما تكون هذه الصلاحيات ذات أهمية بسيطة أو ذات طبيعة فنية".

ينقل تفويض الاختصاص جزء من اختصاصات الرئيس إلى المرؤوس باعتباره صاحب منصب، فهو قائم على اعتبار الصّفة بالتّالي، تغيير الشّخص لا ينهي التفويض وبالمقابل يُمنع صاحب الاختصاص الأصليّ من ممارسة الاختصاص المفوَض طيلة مدة التفويض.

يشترط في التّفويض أن يكون جزئيا، مؤقتاً، قابلاً للرّجوع فيه، والاّ عُدّ تخلياً من الرئيس الإداريّ عن اختصاصاته، ولا تفويض إلا بنصّ، ويبقى الرئيس المفوِّض مسؤولا عن الأعمال التّي فوّضها عملا بمبدأ التفويض في السلطة لا في المسؤولية والرئيس المفوَّض إليه لا يسأل عن تصرفاته بشأن السلطات المفوَّضة إليه إلاّ أمام رئيسه المباشر، دون أن تمتد المسؤولية إلى الأعلى منه، وفقا لمبدأ وحدة الرئاسة والأمر.

لا يجوز للمفوَّض إليه أن يفوّض غيره، فالتفويض لا يتم إلاّ مرة واحدة، ومخالفة هذه القاعدة تجعل القرار الإداري الصادر من المفوِّض الثاني معيبا بعيب عدم الاختصاص.

نظرا لخصوصيات التّفويض وامكانية تداخله مع بعض المصطلحات المتشابهة والقريبة منه، وجب التّمييز بينهما، خاصةً إذا تعلق الأمر بكلّ من تفويض الإمضاء والحلول.

فيختلف تفويض الاختصاص عن تفويض الإمضاء، باعتباره تفويضا شخصيّا، يقوم على العلاقة الشخصيةِ بين المفوّض والمفوَّض إليه داخل التّسلسل الإداري نفسه، وينِتهي بتغير أحد طرفيه (المفوّض أو المفوَّض إليه)، ولا يتضمّن نقلاً للاختصاص، ويظلّ المفوّض مسؤولا عن أيّ تصرف ممضي من قبل المفوَّض إليه، باعتباره صاحب الاختصاص الأصلي، وبالنّتيجة، يمكنه ممارسة نفس الاختصاص رغم تفويضه إلى جانب المفوَّض إليه.

بينما يتميّز التّفويض عن الحلول، الذي يُلجأ إليه في حالة غياب صاحب الاختصاص الأصيل ومنه، يأخذ القرار الصاّدر في تلك المدة مرتبة الأصيل الغائب، ولابدّ أن يقترن بنصّ  قانونيّ ، ما يجعل الأصيل الغائب غير مسؤول عن أخطاء الموظف الذي حلّ محله، كون مصدر الحلول هو القانون وليس الأصيل.

رابعا: تقييم نظام المركزية الإدارية 

تمثل المركزية الإدارية إحدى أساليب التنظيم الإداري، التي تستهدف حصر سلطة القرار النهائي في يدّ السلطات العليا، وان يعتبر ذلك نقطة إيجابية، باعتبارها لزامة لإرساء المساواة بين المواطنين (أ)، إلا أنّها -بالمقابل- لا تخلو من السلبيات، خاصة مع التطور المستمر للحاجات (ب).

أ) إيجابيات نظام المركزية الإدارية: 

يمكن إجمال إيجابيات نظام المركزية فيما يلي:

- تقوية نفوذ السلطة المركزية وتعزيز فرض هيمنتها على مختلف أجزاء الإقليم.

- تحقيق المساواة بين الأفراد المتعاملين مع الإدارة، فهو أقرب إلى تحقيق العدالة حيث يؤدي تطبيق أسلوب المركزية الإدارية إلى تحقيق وحدة أسلوب ونمط الوظيفة الإدارية في الدولة، وثبات واستقرار الإجراءات الإدارية ووضوحها ودقّتها ومنه، تعدّ المركزية سببا من أسباب القضاء على البيروقراطية.

- يُمَكن الدولة من القيام بالمشاريع الضّخمة التي قد تعجز عنها الوحدات المحلية.

- كما يعمل نظام المركزية على اقتصاد النفقات.

ب) عيوب نظام المركزية الإدارية:

رغم ما للمركزية الإدارية من مزايا، إلا أنها كنظام تبقى عاجزة عن تلبية كلّ احتياجات الشّعب، وهو ما يظهر من خلال جملة السّلبيات التي أسفرت عنها، والتّي يمكن إيجازها فيما يلي:

- استبعاد وحرمان الشعب من المشاركة في عملية صنع القرار وتسيير شؤونه المحليّة.

- انتشار ظاهرة البيروقراطية بالمفهوم السّلبي بسبب كثرة الملفات، والتجاهل التام للحقائق والمعطيات المحليّة.

- يعرقل نظام المركزية السير العادي لكل دولة، ويزكّ ي البيروقراطية، ويقضي على الدّيمقراطية.

المرجع:

  1. د. أكلي نعيمة، محاضرات في القانون الإداري، موجهة لطلبة السنة الأولى ليسانس، جامعة أكلي محند أولحاج – البويرة – كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص، الجزائر، السنة الجامعية: 2020/ 2021، ص52 إلى ص61.

google-playkhamsatmostaqltradent