مذكرة ماستر: المسؤولية الجنائية عن جريمة الإبتزاز الالكتروني وفق التشريع الجزائري PDF
جامعة عبد الحميد بن باديس - مستغانم
الموضوع: المسؤولية الجنائية عن جريمة الإبتزاز
الالكتروني وفق التشريع الجزائري
من إعداد الطالب(ة): غزالي نور الهدى
السنة الجامعية: 2024 / 2025
المقدمة
في ظل التطور
السريع والمتسارع لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، أضحى العالم يعيش ثورة رقمية
غيرت ملامح الحياة اليومية وأثرت في مختلف المجالات، خاصة ما تعلق بالتواصل الاجتماعي
والمعاملات الإلكترونية، غير أن هذا التطور لم يكن خاليا من التحديات، إذ ساهم في
ظهور أنماط جديدة من السلوك الإجرامي، من بينها جريمة الابتزاز الإلكتروني، التي
تمثل تهديدًا حقيقيًا للفرد والمجتمع على حد سواء، بالنظر إلى خطورتها وطبيعتها
المعقدة التي تستغل الفضاء الرقمي لتحقيق أغراض إجرامية. فالابتزاز الإلكتروني يعد
من أخطر الجرائم المستحدثة التي تمس كرامة الأشخاص وخصوصيتهم، بل قد تصل آثارها
إلى المساس بحياتهم الاجتماعية والنفسية وحتى الجسدية، خاصة مع تزايد حالات
الانتحار المرتبطة بهذه الجريمة، ويعرف الابتزاز الإلكتروني على أنه استخدام
التهديد عبر الوسائل الرقمية لإجبار الضحية على القيام بفعل أو الامتناع عنه، عادة
مقابل مال أو خدمة أو حتى صور ومعلومات شخصية، مستغلًا بذلك الخوف والحرج والعجز
عن المواجهة، لاسيما بين الفئات الهشة كالأطفال والنساء.
وقد أصبحت هذه
الجريمة أكثر تعقيدا بفضل التقنيات الحديثة، كإخفاء الهوية، استخدام الشبكة
المظلمة (Dark Web)،
وتشفير الرسائل، مما يصعّب من عملية تعقب الجناة واثبات التهمة. لذلك، لم يعد
ممكناً التعامل مع هذه الجرائم بالأدوات القانونية التقليدية، بل بات من الضروري
تكييف المنظومة التشريعية لمواجهة الجريمة في بعدها الرقمي، وذلك بإرساء قواعد
جنائية حديثة تضمن حماية فعّالة لضحايا الابتزاز الإلكتروني وتردع مرتكبيها ،وفي
هذا الإطار، حاول المشرع الجزائري مجاراة هذه التغيرات من خلال إدراج مواد قانونية
تجرّم هذا النوع من السلوك، سواء عبر قانون العقوبات المعدل أو من خلال النصوص
الخاصة كقانون مكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، إلا أن
الإشكال لا يزال قائما حول مدى فعالية هذه النصوص وكفايتها، سواء من حيث تحديد
عناصر الجريمة أو ضبط المسؤولية الجنائية المترتبة عليها.
وانطلاقا من هذه المعطيات، تتبلور أهمية هذا البحث في محاولة الوقوف على مدى استجابة التشريع الجزائري للتحديات التي تفرضها جريمة الابتزاز الإلكتروني، من خلال دراسة طبيعتها القانونية، أركانها، صورها، وأسس المسؤولية الجنائية الناشئة عنها، سواء بالنسبة للشخص الطبيعي أو المعنوي، بالإضافة إلى تقييم السياسات العقابية المقررة لها والآليات المعتمدة في مكافحتها، كما يسعى هذا البحث إلى الكشف عن أوجه القصور أو الثغرات القانونية، واقتراح حلول تشريعية ومؤسساتية تواكب حجم وخطورة هذه الظاهرة المتنامية بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الرقمية وضمان الحريات الفردية من جهة ،وتحقيق الردع العام والخاص من جهة أخرى، وفي هذا السياق أصبح من الضروري أن يتدخل المشرع الجزائري لمواكبة هذا التطور التكنولوجي والتصدي لآثاره السلبية من خلال تأطير قانوني محكم وفعال، يحدد المسؤولية الجنائية المرتبطة بهذا الفعل ويضع آليات قانونية رادعة لمكافحته. وعليه يطرح هذا الموضوع إشكالية محورية تتعلق بكيفية تنظيم التشريع الجزائري لجريمة الابتزاز الإلكتروني، وتحديد أركانها وأسس المسؤولية الجنائية عنها سواء تعلق الأمر بالأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، ومدى فعالية النصوص الحالية في ردع هذا النوع من الإجرام الرقمي. ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث، الذي يسعى إلى تسليط الضوء على الإطار القانوني لجريمة الابتزاز الإلكتروني في الجزائر، وتحليل عناصرها وخصائصها، ومناقشة أوجه القصور التي قد تعتري المنظومة التشريعية في هذا المجال، من أجل تقديم مقترحات من شأنها تعزيز الحماية الجزائية للفرد والمجتمع في ظل تحديات العصر الرقمي، وقد لا تكمن خطورة جريمة الابتزاز الإلكتروني فقط في الأضرار الفعلية التي تلحق بالضحية، بل تتعدى ذلك إلى الآثار النفسية والاجتماعية بعيدة المدى، حيث تؤدي في كثير من الأحيان إلى اضطرابات سلوكية، حالات من الانطواء والاكتئاب، بل والانتحار أحيانًا، خصوصا لدى فئات ضعيفة مثل القصر والمراهقين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مواجهة هذا النوع من الجرائم، إما بسبب الخوف من الفضيحة، أو غياب الوعي القانوني، أو صعوبة الحصول على الدعم، كما أن طبيعة الجريمة ذات الطابع العابر للحدود، وتعدد الفاعلين والضحايا وتنوع الوسائط الرقمية المستخدمة، يجعل من الابتزاز الإلكتروني تحديًا حقيقيا ليس فقط للضحايا بل للمنظومة القانونية والقضائية ككل ذلك أن هذه الجريمة تقع في فضاء افتراضي بلا حدود، غالبا ما يمارس فيها الجاني نشاطه من خارج إقليم الدولة، مما يطرح إشكاليات جدية على مستوى الاختصاص القضائي، الإثبات، والتعاون القضائي الدولي، وعلى الصعيد التشريعي ورغم الجهود التي بذلها المشرع الجزائري، خاصة من خلال تعديل قانون العقوبات وتضمين جرائم تكنولوجية جديدة، إلا أن النصوص الحالية قد لا ترقى دائمًا لمستوى التحديات المفروضة سواء من حيث دقة التكييف، أو شمولية العقوبات، أو مواكبة تطور الأساليب الإجرامية الإلكترونية. فغياب تعريف دقيق لبعض المصطلحات التقنية، والتداخل بين مفاهيم قانونية تقليدية وأخرى مستحدثة، قد يخلق فجوات قانونية يستغلها المجرمون في الإفلات من العقاب، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في الإطار القانوني الجزائري الخاص بالجرائم السيبرانية، خاصة ما تعلق بجريمة الابتزاز الإلكتروني، بغرض تقويته وتحسين أدوات إنفاذه، بما يضمن تحقيق الردع العام، وفعالية الحماية الخاصة، واستقرار المنظومة العدلية في مواجهة هذا النوع من الجرائم المستجدة.
كما لم تعد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات مجرد أدوات ترفيه أو تواصل، بل أصبحت ركيزة أساسية في حياة الأفراد والمؤسسات، حيث أثرت بشكل عميق في الأنماط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، غير أن هذه الثورة التكنولوجية، وان حملت في طياتها الكثير من الإيجابيات، إلا أنها أفرزت في المقابل أشكالاً جديدة من الانحرافات السلوكية والإجرامية التي لم تكن مألوفة في السابق، وأبرزها ما يُعرف بـالجرائم السيبرانية أو الجرائم الإلكترونية، والتي تنامت بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين أخطر
هذه الجرائم، تبرز جريمة الابتزاز الإلكتروني، التي أصبحت تهدد أمن الأفراد
وخصوصياتهم، وتزرع الخوف والقلق في نفوسهم، نظرا لما تنطوي عليه من استغلال غير
مشروع للمعلومات الشخصية أو الصور أو التسجيلات الخاصة، للحصول على منافع مالية أو
جنسية أو تنفيذ أوامر معينة تحت طائلة التهديد بالفضح أو الإضرار بالسمعة، وتكمن خطورة
الابتزاز الإلكتروني في طبيعته المركبة، فهو من جهة يعتمد على الوسائل التكنولوجية
الحديثة التي تتيح للجاني إخفاء هويته والتحرك بحرية عبر الفضاء الرقمي دون قيود
زمانية أو مكانية، ومن جهة أخرى يوجه ضد ضحايا غالبًا ما يكونون في موضع ضعف نفسي
أو اجتماعي، ما يجعلهم عرضة للاستسلام والرضوخ للتهديدات، كما أن هذه الجريمة لا
تقتصر على الأفراد فحسب، بل قد تستهدف حتى المؤسسات حيث يقوم الجناة بابتزاز شركات
أو إدارات مقابل عدم نشر بيانات حساسة أو تعطيل نظمها الإلكترونية ،ولأن هذه
الأفعال تتخذ صورا مستحدثة وتتطور بشكل متسارع، فإن مواجهتها تتطلب بدورها تطورا
تشريعيا وقضائيا وأمنيا يوازي حجم التحدي.
وفي هذا
السياق حاول المشرع الجزائري الاستجابة لتلك التحديات من خلال تعديل قانون
العقوبات لاسيما في المواد المتعلقة بالمساس بحرمة الحياة الخاصة ووسائل التهديد
والابتزاز عبر الوسائط الإلكترونية، ومن خلال إدراج نصوص قانونية في قوانين خاصة
مثل قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية ومع ذلك، فإن تطبيق هذه النصوص على أرض
الواقع ما يزال يطرح العديد من الإشكاليات سواء من حيث التكييف القانوني الدقيق
لجريمة الابتزاز الإلكتروني، أو من حيث التمييز بينها وبين الجرائم المتشابهة
كالتشهير، التهديد، أو نشر الصور دون إذن، فضلا عن صعوبة تحديد المسؤولية الجنائية
في بيئة رقمية تسمح بإخفاء الهوية واستعمال تقنيات متقدمة لطمس الأدلة وإرباك
التحقيق.
كما أن
المسؤولية الجنائية عن جريمة الابتزاز الإلكتروني في الجزائر تثير جدلا قانونيا،
لاسيما عندما يتعلق الأمر بالأشخاص المعنويين كالشركات والمؤسسات التي قد تستعمل
منصاتها في ارتكاب الفعل الإجرامي، أو التي قد تقصر في حماية بيانات مستخدميها،
ويزداد هذا الجدل تعقيدًا في ظل نقص الوعي الرقمي القانوني لدى العديد من الأفراد،
مما يدفعهم في الغالب إلى الامتناع عن التبليغ خوفا من الفضيحة أو من تعقيد
الإجراءات، الأمر الذي يؤثر سلبا على فعالية المتابعة القضائية ويضعف الردع
الجنائي
وبناءا على ما سبق فإن دراسة المسؤولية الجنائية عن جريمة الابتزاز الإلكتروني في التشريع الجزائري تكتسي أهمية بالغة، لأنها لا تلامس فقط الجانب القانوني المحض بل تنفتح أيضا على أبعاد اجتماعية وأمنية ونفسية وتطرح أسئلة عميقة حول مدى قدرة المنظومة القانونية الوطنية على التأقلم مع طبيعة الجريمة الإلكترونية، ومن هنا تنبع إشكالية هذا البحث في التساؤل حول مدى فعالية الإطار القانوني الجزائري في مواجهة جريمة الابتزاز الإلكتروني وتحديد أسس المسؤولية الجنائية المترتبة عنها ، وكذا مدى كفاية الآليات القانونية والمؤسساتية المعتمدة في مكافحتها، وسيسعى هذا البحث إلى تفكيك هذه الإشكالية من خلال تحليل العناصر المكونة للجريمة، واستعراض أوجه القصور في النصوص الحالية، واقتراح سبل تطويرها بما يحقق حماية فعالة لضحايا هذا النوع الخطير من الإجرام المستحدث ، فمنه نطرح الإشكالية : إلى أي حد توفق المشرع الجزائري في التكييف القانوني لجريمة الابتزاز الإلكتروني، وتحديد المسؤولية الجنائية عنها، في ظل الطبيعة المعقدة لهذه الجريمة وصعوبة تتبع مرتكبيها؟
و قد تمحورت
تساؤلات الدراسة حول ما يأتي:
- ماهية جريمة
الابتزاز الالكتروني؟
- ماهي دوافع
الابتزاز الالكتروني؟
- على من تقع
المسؤولية الجنائية في حال وقوع الجريمة؟
- ماهي
العقوبات الملائمة للجاني؟
تنبع أهمية
هذا الموضوع من الواقع العملي والظرفية الراهنة التي تشهد تناميا مطردا في وتيرة
الجرائم الإلكترونية، وعلى وجه الخصوص جريمة الابتزاز الإلكتروني، التي أصبحت تمثل
تهديدا حقيقيا لأمن الأفراد وخصوصيتهم وسلامتهم النفسية والاجتماعية فهذه الجريمة،
التي تستغل التكنولوجيا الحديثة والفضاء الرقمي لم تعد مقتصرة على الفئات الهشة
فقط، بل أصبحت تطال جميع شرائح المجتمع أفرادا ومؤسسات، ما يجعلها من أبرز
التحديات القانونية التي تواجه الدول في العصر الحديث، وتكتسي أهمية هذه الدراسة
بعدا مزدوجا نظريا وعمليا، فهي من جهة تهدف إلى تحليل الإطار القانوني الوطني الذي
ينظم جريمة الابتزاز الإلكتروني، والكشف عن مدى فعاليته في تحديد المسؤولية
الجنائية المترتبة عنها، ومن جهة أخرى تسعى إلى إبراز أوجه النقص أو القصور التي
تعتري هذا الإطار، اقتراح حلول تشريعية وقضائية تواكب طبيعة هذا النوع المستحدث من
الجرائم.
كما تتجلى
أهمية البحث كذلك في محدودية الدراسات الوطنية المتخصصة التي تناولت جريمة
الابتزاز الإلكتروني بشكل معمّق ما يمنح هذا العمل بعدا إضافيًا كونه يسهم في
إثراء المكتبة القانونية الجزائرية بمجال لا يزال في طور التبلور التشريعي
والقضائي ، من أجل مقاربة موضوع "المسؤولية الجنائية عن جريمة الابتزاز
الإلكتروني في التشريع الجزائري بشكل علمي دقيق وشامل، تم الاعتماد على المنهج
التحليلي، وذلك من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة، وعلى رأسها قانون
العقوبات القانون المتعلق بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام
والاتصال، إضافة إلى بعض النصوص ذات العلاقة مثل القانون المدني وقانون الإجراءات
الجزائية، بهدف الوقوف على الكيفية التي تم بها تنظيم هذه الجريمة من حيث الأركان
والعقوبة والمسؤولية، كما تم توظيف المنهج المقارن في بعض المواضع، من خلال
استعراض مواقف بعض التشريعات المقارنة (مثل القانون الفرنسي أو المصري)، وذلك
لتسليط الضوء على التجارب التشريعية المختلفة ومحاولة الاستفادة منها في تقييم
الوضع القانوني الجزائري ، ولم يغفل البحث أيضا استخدام المنهج الوصفي في بداية
الدراسة من خلال عرض الظاهرة وتطورها وأسباب انتشارها، وذلك لوضع القارئ في الإطار
العام للمشكل محل الدراسة، ويتوج هذا المنهج بتقديم قراءة نقدية تحليلية تسعى إلى
اقتراح حلول واقعية قابلة للتنفيذ بهدف تعزيز فعالية السياسة الجنائية في مكافحة
الابتزاز الإلكتروني.
أهداف البحث
- تحليل
الإطار القانوني لجريمة الابتزاز الإلكتروني في التشريع الجزائري وتحديد أوجه
القوة والقصور فيه.
- دراسة أركان
الجريمة وشروط تحققها على ضوء النصوص القانونية والاجتهاد القضائي. تسليط الضوء
على المسؤولية الجنائية عن هذه الجريمة، سواء بالنسبة للأشخاص الطبيعيين أو
المعنويين.
- مناقشة مدى
كفاية العقوبات والآليات القانونية المعتمدة في الردع والمكافحة.
- تقديم
توصيات عملية وتشريعية تساهم في تعزيز حماية الأفراد من هذه الجريمة الرقمية
الحديثة.
وللإجابة على الإشكالية المطروحة أعلاه، ستتم معاجلة الموضوع من خلال تقسيمه إلى فصلين ولكل مبحث مطلبين يخصص أولهما للتعرض إلى الاطار المفاهيمي لجريمة الابتزاز الالكتروني، وخصصنا الفصل الثاني لبيان العقوبات المقررة لجريمة الابتزاز الالكتروني.
