مذكرة ماستر: إجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد في التشريع الجزائري PDF
جامعة عبد الحميد بن باديس - مستغانم
الموضوع: إجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد في
التشريع الجزائري
مذكرة نهاية الدراسة لنيل شهادة الماستر
من إعداد الطالب(ة): عبد الرحمان منصورية
السنة الجامعية: 2024 / 2025
المقدمة
تعد جريمة
الفساد من الظواهر الإجرامية المعقدة والمتشعبة والتي أضحت تهدد استقرار الدول
وتعيق مسارات التنمية، خصوصا في البلدان التي تعاني من ضعف في منظومة الرقابة
والشفافية. وإدراكًا لخطورة هذه الجريمة وانعكاساتها السلبية على الحياة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، حرص المشرع الجزائري على وضع إطار قانوني خاص لمكافحتها،
يتجاوز الآليات التقليدية ويستند إلى إجراءات فعّالة ومواكبة لطبيعة الجريمة.
وقد لعبت
الضبطية القضائية دورًا محوريا في هذا المسعى، كونها الجهة الأولى المكلفة بالتحري
وجمع الأدلة في الجرائم، بما في ذلك جرائم الفساد. غير أن خصوصية هذه الأخيرة، من
حيث أساليب ارتكابها، وتشابك، علاقاتها، وارتباطها في الغالب بمراكز النفوذ، تطلبت
استحداث إجراءات قانونية خاصة، تُمكّن الضبطية القضائية من تجاوز العوائق التي
تفرضها الأساليب التقليدية في التحري والمتابعة.
وفي هذا الإطار، جاء القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، لينص على جملة من الإجراءات المستحدثة التي تُمنح لضباط الشرطة القضائية بصلاحيات أوسع من تلك المقررة في قانون الإجراءات الجزائية، لاسيما ما يتعلق بـ: تقنيات التحري الخاصة (كالترصد، والمراقبة الإلكترونية، والتسجيل السري)، والتعاون الدولي، وتبادل المعلومات، والتنسيق مع الهيئات الإدارية والرقابية.
وقد تميزت هذه
الإجراءات بطابعها الاستثنائي من حيث المدى والهدف، إذ تُمكّن الضبطية القضائية من
التغلغل في بيئة الجريمة المعقدة، وتُسهل الكشف عن الفاعلين والشبكات المنظمة دون
المساس بالضمانات الأساسية المكفولة قانونا.
إن دراسة هذه
الإجراءات المستحدثة تكتسي أهمية بالغة في الوقت الراهن، نظرا لما تشهده الجزائر
من تحولات في منظومة الحكم، ودفع باتجاه تعزيز الشفافية ومحاسبة الفاسدين، مما يجعل
من تحليل هذه الآليات القانونية أمرًا ضروريًا لفهم فعالية المنظومة الوطنية في
التصدي للفساد وتقييم مدى نجاعة دور الضبطية القضائية في هذا المجال.
أهمية الموضوع
يكتسي موضوع
إجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد أهمية متزايدة في ظل ما
يشهده العالم من تنام مطّرد لجرائم الفساد، وتزايد انعكاساتها الخطيرة على بناء
الدولة ومؤسساتها. وقد أصبحت مكافحة الفساد مطلبًا حيويًا لتحقيق الحكم الراشد،
وضمان نزاهة الإدارة، وتعزيز ثقة المواطن في أجهزة الدولة، الأمر الذي يفرض وجود
آليات قانونية فعالة ومتطورة في مجال التحري والمتابعة
وفي هذا
الإطار، تحتل الضبطية القضائية مكانة محورية ضمن المنظومة الوطنية لمكافحة الفساد،
باعتبارها الجهة المخولة قانونا بجمع المعلومات والأدلة واتخاذ الإجراءات
التحضيرية التي تمهد لتحريك الدعوى العمومية. إلا أن فعالية هذا الجهاز كانت تتأثر
سابقا بالقصور الإجرائي والشكليات التقليدية التي لا تتلاءم مع الطبيعة الخاصة
والمعقدة لجريمة الفساد، والتي غالبًا ما تُرتكب بأساليب خفية وبواسطة شبكات
متشابكة تستغل الثغرات القانونية والمؤسساتية.
وانطلاقا من
هذا الواقع، جاءت الإجراءات المستحدثة في التشريع الجزائري، خصوصا من خلال أحكام
القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، لتُضفي نوعا من المرونة
والفعالية على عمل الضبطية القضائية، وذلك بمنحها صلاحيات جديدة وتقنيات تحقيق
متقدمة، كالتنصت، والمراقبة الإلكترونية، والتفتيش غير المعلن والاستعانة بالخبراء
والتعاون المؤسساتي، وهو ما يشكل نقلة نوعية في آليات التحري وجمع الأدلة.
تتجلى أهمية
هذا الموضوع في كونه يُسلط الضوء على التحول الذي شهده التشريع الجزائري من خلال
توسيع صلاحيات الضبطية القضائية بما يضمن التوازن بين فعالية مكافحة الفساد
واحترام الحريات الفردية. كما تكمن الأهمية العملية للدراسة في تحليل مدى نجاعة
هذه الإجراءات المستحدثة، وتقييم قدرتها على مواكبة التطورات الإجرامية، خصوصا في
ظل التحديات المرتبطة بالحوكمة والرقابة والتنسيق بين الجهات المعنية.
أسباب اختيار
الموضوع
تأتي دراسة
إجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد في التشريع الجزائري
استجابة لحاجة أكاديمية ومجتمعية ملحة تفرضها التحولات القانونية والمؤسساتية التي
تشهدها الجزائر في السنوات الأخيرة، ولا سيما في مجال مكافحة الفساد وتعزيز
الشفافية. وقد تم اختيار هذا الموضوع انطلاقا من جملة من الأسباب العلمية والعملية
التي تُبرّر أهميته وراهنيته.
أولاً،
الأهمية العملية للضبطية القضائية، بصفتها نقطة الانطلاق في مسار العدالة
الجنائية، باعتبارها الجهة المخولة قانونًا بالتحري والكشف عن الجرائم وجمع
الأدلة. ومع تعقد أساليب ارتكاب جرائم الفساد واعتمادها على شبكات منظمة وأساليب
تمويه متقدمة، بات من الضروري تحليل الأدوات المستحدثة التي منحها المشرع لضباط
الضبطية القضائية من أجل مسايرة هذه التطورات الإجرامية.
ثانيًا، جاء
اختيار هذا الموضوع نظراً إلى التحولات التي عرفها التشريع الجزائري في مجال
مكافحة الفساد، لاسيما بعد إصدار القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد
ومكافحته، الذي استحدث العديد من الإجراءات الخاصة والاستثنائية التي منحت الضبطية
القضائية إمكانيات جديدة للتحري وجمع الأدلة، وهو ما يفرض إعادة قراءة هذه النصوص
وتحليلها لفهم نطاقها وفعاليتها القانونية.
أهداف الدراسة
تهدف هذه
الدراسة إلى الإحاطة بالتحولات التي طرأت على دور الضبطية القضائية في الجزائر، من
خلال استعراض وتحليل الإجراءات القانونية المستحدثة التي أقرها المشرع في مجال
مكافحة الفساد، لا سيما في ظل التحديات المعاصرة المرتبطة بتعقيد هذا النوع من
الجرائم وتشعب أدوات ارتكابها. وانطلاقا من أهمية الضبطية القضائية كحلقة أولى في
سلسلة العدالة الجنائية، فإن هذه الدراسة تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية
والعملية، يمكن إجمالها فيما يلي:
تحديد الإطار
القانوني المنظم لإجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد، من
خلال دراسة النصوص التشريعية ذات الصلة، وعلى رأسها القانون رقم 01-06 المتعلق
بالوقاية من الفساد ومكافحته، ومقارنتها بالأحكام العامة المنصوص عليها في قانون
الإجراءات الجزائية
تحليل طبيعة
الإجراءات الخاصة والاستثنائية التي أقرها المشرع لضباط الضبطية القضائية، ومدى
انسجامها مع المبادئ القانونية العامة، وخاصة من حيث ضمانات حماية الحقوق والحريات
الفردية أثناء التحقيق وجمع الأدلة.
تقييم فعالية
هذه الإجراءات المستحدثة في الواقع العملي، من حيث مساهمتها في تحسين مردودية عمل
الضبطية القضائية، وتسريع وتيرة الكشف عن جرائم الفساد، والتقليص من نسب الإفلات
من العقاب.
الإشكالية
الرئيسية
بالنظر إلى
الطبيعة الخاصة والمعقدة لجريمة الفساد، التي غالبًا ما تُرتكب في إطار شبكات
منظمة، وبأساليب خفية يصعب كشفها بالطرق التقليدية، برزت الحاجة الملحة إلى تطوير
الإطار الإجرائي الذي يحكم عمل الضبطية القضائية في هذا المجال، بما يضمن تمكينها
من أداء دورها بفعالية دون الإخلال بالضمانات الدستورية والقانونية المكفولة
للأفراد.
وقد استجاب
المشرع الجزائري لهذه الضرورة من خلال إدراج إجراءات مستحدثة واستثنائية ضمن
القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، مكّن من خلالها ضباط
الضبطية القضائية من استعمال وسائل متقدمة في مجال التحري، كالتنصت، والتصنت
الإلكتروني، والمراقبة الخاصة، وغيرها من التقنيات ذات الطابع الاستثنائي.
أن هذا التحول
التشريعي يطرح إشكالية محورية تتمثل في:
إلى أي مدى
تمكنت الإجراءات المستحدثة التي أقرها المشرع الجزائري لفائدة الضبطية القضائية من
تحقيق التوازن بين فعالية مكافحة جرائم الفساد وضمان احترام الحقوق
والحريات
الأساسية للأفراد؟
منهج الدراسة
اعتمدت هذه
الدراسة على المنهجين الوصفي والتحليلي كمدخلين أساسيين لمعالجة موضوع
"إجراءات الضبطية القضائية المستحدثة في مجال مكافحة الفساد في التشريع
الجزائري". وقد تم توظيف المنهج الوصفي بهدف عرض وتحليل الإطار التشريعي
المنظم للضبطية القضائية، واستعراض النصوص القانونية ذات الصلة، خاصة تلك الواردة
في القانون رقم 06-01، إلى جانب أحكام قانون الإجراءات الجزائية. أما المنهج
التحليلي، فقد استخدم لتفكيك وفهم مضمون هذه النصوص، وبيان أوجه التطوير والإضافة
التي أدخلها المشرع، وتقييم مدى فعاليتها وملاءمتها لطبيعة جرائم الفساد، مع
التركيز على الجوانب التي تمثل نقلة نوعية في صلاحيات الضبطية القضائية.
كما ساعد هذا
الجمع بين المنهجين في تحقيق قراءة نقدية لمستوى التوازن بين مقتضيات مكافحة
الفساد من جهة واحترام الضمانات القانونية للمتهم من جهة أخرى، بما يسمح بالخروج
باستنتاجات دقيقة وتوصيات عملية قابلة للتطبيق.
تم تقسيم
الدراسة إلى فصلين:
الفصل الأول
بعنوان الإطار المفاهيمي لدور الضبطية القضائية في مجال مكافحة الفساد حيث قسمنا
هذا الفصل إلى مبحثين المبحث الأول بعنوان الإطار العام لمفهوم الضبطية القضائية،
وفي المبحث الثاني إلى جهاز الضبط القضائي المتخصص في مكافحة جرائم الفساد
أما الفصل الثاني سنتطرق فيه اجراءات المستحدثة في مجال مكافحة الفساد في المبحث الأول سنتطرق اسلوبي التسرب والترصد الإلكتروني، وفي المبحث الثاني ستنطرق إلى النظام القانوني للسلطة العليا للشفافية والوقاية ودورها في الفساد ومكافحته وفي الأخير أنهينا هذا البحث بخاتمة تتضمن مجموعة من النتائج والتوصيات التي توصلنا لها من خلال هذه الدراسة .
