أطروحة دكتوراه: ضمانات المحاكمة العادلة بين الأسس الدستورية والقواعد الدولية PDF
جامعة قاصدي مرباح - ورقلة
الموضوع: ضمانات المحاكمة العادلة بين الأسس
الدستورية والقواعد الدولية
أطروحة مقدمة لاستكمال متطلبات شهادة دكتوراه
من إعداد الطالب(ة): سيبوكر عبد النور
السنة الجامعية: 2024 / 2025
المقدمة
تعد نزاهة
العدالة إحدى المقومات الأساسية التي لا بد من أن تقوم عليها دولة القانون، لا
سيما أن قوة الدول الحديثة أصبحت تقاس بمدى حمايتها للحقوق والحريات التي تكفلها
وتوفرها لمواطنيها والأشخاص المتواجدين على ترابها ، وهذا في ظل سلطة الدولة
وسيادتها . ثم إن العنصر الأساسي المخاطب بالقانون في الدولة هو الإنسان الذي
يفترض ضمان حقوقه وحرياته سواء التي ينفرد بها منذ ولادته أو التي تنبثق عن الحقوق
الأصلية ومن بينها الحق في العدل الذي يعد جوهر الحقوق سواء كان العدل بمفهومه
العام الذي يتضمن ضمانات قانونية ينفرد بها الفرد على الآخرين أو الخاص المتمثل في
الحصول على محاكمة عادلة ونزيهة قائمة على أسس قانونية وقضائية.
إن الحق في
محاكمة عادلة لم يأت من الفراغ، بل جاء تنديدا لما عانه البشر في الحقبات الزمنية
الفارطة من اضطهاد حقوقهم وحرياتهم من قبل الحكام خاصة عند مطالبة بحقوقهم أو عند
محاكمتهم وهذا الأمر الذي أدى بقيام تلك الثورات الشعبية لاسترداد الأفراد لحقوقهم
وبناء دولة القانون.
تم أن تحقيق
العدالة بكل عناصرها ليس بالأمر الهين خاصة إذا كان الأمر متعلقا بالعدالة
الجنائية وأبعادها نظرا لأن السياسية الجنائية في كل مكان وزمان تتطلب تجريم بعض
الأفعال تمس بمصلحة المجتمع والأفراد ووضع حد لها من خلال قانون العقوبات وقوانين
المكملة له حتى يعرف المجتمع استقرارا، إلا أن هذا الأمر يتطلب من جهة آخر ضمان
خلق جو من التوازن بين مصلحة الأفراد في الحصول على حقوقهم جراء تلك الإعتداءات
التي تعرّضوا لها وبين مصلحة الدولة في العقاب وبين هاتين المصلحتين تنشأ مصلحة
أخرى جديرة بالحماية القانونية وتتعلق بمرتكب الجرائم، ومن هذا المنطلق من حقه أن
يتم ضمان حقوقه وفقا لضوابط الدستورية والإجرائية عند متابعته من بداية الدعوى
العمومية إلى غاية تنفيذ العقوبة، برغم أن ضمانات المحاكمة العادلة لا تتوقف في
إصدار حكم قضائي بحق المتهم فقط بل إن هاته ضمانات تتوسع حتى عند تنفيذ العقوبة في
المؤسسات المخصصة.
لذا فإن مسألة
حقوق الانسان بصفة عامة ومنطق توفير ضمانات المحاكمة العادلة يقوم على معادلة
قانونية دقيقة قوامها تحقيق العدالة القضائية موازنة مع تحقيق احترام حقوق وحريات
المتهم من بداية الدعوى إلى غاية الفصل فيها وحمايته من تلك الأعمال التعسفية التي
تصدر من قبل الدولة عند التحقيق معه.
إن نجاح هاته
المعادلة لن يكون إلا بتوفير جملة من الضمانات القانونية التي تسعى إلى تحقيق
محاكمة منصفة أو ما يعرف بالمحكمة العدالة أو القانونية من خلال دسترة هاته
الضمانات ضمن الدساتير الداخلية للدول وتكريسها العملي من خلال إضفاء إجراءات
قانونية تكون لها الدور الفعال في حماية حقوق المتهم عبر مراحل الدعوى العمومية.
إن مسألة
توفير ضمانات المحاكمة العادلة لم يأت من الفراغ بل كان تكريسا لما ورد في الشرائع
السماوية عن فكرة الحق في محاكمة عادلة وبالأخص الشريعة الإسلامية التي جاءت
بأحكام مناطها توفير كل الضمانات للأفراد للحصول على محاكمة عادلة دون تمييز بينهم.
ولقد أدت
الحرب العالمية الأولى والثانية، وما نتج عنها من مساس بالحقوق والحريات خاصة عند محاكمة
مرتكبي تلك الجرائم الدولية إلى ضرورة التفكير بوضع صكوك دولية تعنى بإرساء معالم
المحاكمة العادلة ناهيك عن إقرار دولي بضرورة أن تنشأ محكمة دولية تعنى بتلك
الجرائم الدولية ومحاكمة مرتكبيها وهو الأمر الذي وقع فعلا بإقرار المحكمة الدولية
الجنائية، أو ما تعرف بمحكمة روما والتي أقرت فعلا من خلال نصوصها العديد من
الحقوق والضمانات مستوفية ومتماشية مع ماورد في المواثيق الدولية من ضمانات
بالإضافة الى ذلك كرّست المواثيق الدولية ضمانات لا تتعلق بحقوق الأفراد فقبل توسع
اهتمامها الى مسائل تتعلق بالمؤسسة القضائية والهيئة القضائية التي تتولى الفصل في
الخصومة الجزائية وحتى شخصية القاضي في حد ذاته، من خلال تلك الضمانات المتعلقة
بهم ويضاف إلى ذلك الضمانات المتعلقة بموضوع الأحكام القضائية وما قد ينجم عنها من
رقابة قضائية.
وحتى تكون لهاته القواعد الدولية المعنية بحقوق الانسان وحرياتهم كان لابد من تكريسها ضمن دساتير الداخلية للدول بإعتبار أن الدستور هو حامي للحقوق والحريات وهو ضامن على نزاهة العدالة وروح القانون أما تفصيل تلك مقتضيات الموضوعية والإجرائية يقع على مايرد من نصوص ضمن قانون الإجراءات الجزائية.
وفي ذات سياق
هنالك علاقة بين الدستور والقانون الجنائي من حيث التطبيق مبدأ التساند لأنه في
بعض الأحيان أن تطبيق أحدهما يفرض الرجوع إلى الاخر فالقانون الجنائي يحمي حقوقا
يقررها الدستور والدستور يرفع بعض القواعد إلى مصاف المبادئ الدستورية وهنا تكمن
أهمية العلاقة بين الدستور وقانون الإجراءات الجزائية في توفير ضمانات المحاكمة
العادلة وسعيها إلى تحقيق الاستقرار والأمن وتحقيق العدالة القانونية سواء للضحية
أو المتهم الماثل أمام القضاء.
ويعد الدستور
الجزائري أحد الدساتير التي سعت إلى توفير جملة من الضمانات ومن بينها ضمانة
الحصول على محاكمة عادلة من خلال تكريسها وتأكيدها على ما جاء في الشريعة
الإسلامية، وفي المواثيق الدولية وهذا من بداية دستور 1996 وما لحقه من تعديلات
دستورية إلى حدّ اليوم.
وتأسيسا على
مما سبق قوله فأنه يمكن القول أن صناعة توازن حقيقي في الشق الجنائي الذي ينتظر
منه الموازنة بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية لن يكون إلا من خلال وضع
ضوابط قانونية تصنع نسقا قانونيا بين المبادئ الدستورية والقواعد الدولية، التي
نتوخى منها حماية الحقوق والحريات الأساسية من خلال تقيّدها بمجموعة من الضوابط
والإجراءات حتى لا تتحول الدولة إلى المتهم الأكبر من المتهم الذي ارتكب الجريمة
في حق الضحية، وفي نفس الصدد أن ضمانات المحاكمة العادلة تتحقق من خلال تحقيق
تصورين الأول يتعلق بضمانات عامة أم التصور الثاني يتعلق بضمانات خاصة بمرحلة
المحاكمة في حد ذاتها لأنه الفيصل والمفصل في وصول الى حل مسألة الموازنة بين
الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية.
ونظرا لمكانة
هذا الموضوع، يمكن القول أنه بالرغم من البحوث التي جاءت في نفس السياق إلا أنه
يعد موضوع دسما ومتطور خاصة مع تطورات التي أصبحت تعرفها القوانين الإجرائية وكذا
الدساتير والمواثيق الدولية وزيادة الاهتمام الدولي بحقوق الانسان والحريات
الفردية مما يبقى دائما تساؤل حول ضمانات المحاكمة العادلة.
أهمية البحث
يحتل موضوع
ضمانات المحاكمة العادلة بين الأسس الدستورية والقواعد الدولية أهمية بالغة خاصة
في ظل الإهتمام الواسع للباحثين بهذا الموضوع، مع تطوّر فكرة مضمون العدالة
الجنائية، فبالرغم من البحوث والدراسات التي أجريت بخصوص هذا الموضوع في العديد من
النقاط الجوهرية والمعايير، لكنه يحمل في طياته العديد من الجوانب المظلمة التي قد
ينصرف البعض عن دراستها خاصة دور القواعد الدولية في تكريس ضمانات المحاكمة
العادلة والتي تعرف تطورا مع تطور السياسية الجنائية.
بالإضافة إلى
ذلك تسعى دساتير الدول الى مواكبة القواعد الدولية في كفالة الحقوق والحريات
وتوفير محاكمة نزيهة، ومن بينها الدستور الجزائري الذي أحدث وأدخل العديد من
الضمانات عند تعديله للدستور ولقانون الإجراءات الجزائية مراعيا بذلك فكرة الوصول
إلى قضاء عادل ونزيه، وهذا ما تبدو عليه أهمية الموضوع من الناحية العلمية.
أما من
الناحية العملية أن تمحيص طيّات هذا الموضوع من شأنه أن يقدم استقراء موضوعيا
ومنهجيا حول مدى التزام المؤسس الدستوري والمشرع الجزائري بتوفير ضمانات المحاكمة
العادلة نظرا لأن هاته الضمانات مصدرها تلك الإتفاقيات الدولية والإعلانات الدولية
كما يساهم موضوع البحث في معرفة مدى إلتزام التطبيقات القضائية مع الدستور وقانون
الإجراءات الجزائية، خاصة مع بلورة إجراءات حديثة تساهم في تحقيق العدالة الجنائية
كما تكمن أهمية الموضوع من الناحية العملية في تبيان أهم المعوقات التي تحدّ
المشرع الجزائري من تطبيق بعض القواعد الدستورية.
أسباب اختيار
الموضوع
تتمثل أسباب
اختياري لموضوع ضمانات المحاكمة العادلة بين الأسس الدستورية والقواعد الدولية في
الميل للبحث في هاته المواضيع التي تجمع بين الجانب الدولي والداخلي وبالأخص إذا
تعلق الأمر بالدستور وقانون الإجراءات الجزائية وعلاقتها بالصكوك الدولية ، ضف إلى
ذلك أنه رغم تلك البحوث والأطروحات التي أجريت في ذات الموضوع، لم تتمكن من
الإحاطة بكافة تفاصيله ، مما يجعله موضوع محلا للبحث والوصول الى مدى مواكبة الفكر
الجنائي بين المفهوم الدولي والوطني، بخصوص مبدأ المحاكمة العادلة ومدى التزام
المؤسس الوطني في مواكبة لهاته الاتفاقيات الدولية ، زد على ذلك أن موضوع ضمانات
المحاكمة العادلة يثير العديد من التساؤلات القانونية وحتى الفقهية والقضائية ،
خاصة في ظل أن الفقه الجنائي الحديث لم يعد ينظر الى ضمانات المحاكمة من نظرة
تقليدية بل تطوّر الى أبعد من ذلك بل أصبح الحديث عن تطور مؤسسة القضاء ودور بعض
المؤسسات الدستورية في توفير سياج من حماية لهاته الضمانات أمام كل هاته النقاط
تشكل حافزا وباعثا قويا للبحث والتوغل في عناصر هذا الموضوع.
أهداف الدراسة
تهدف هذه
الدراسة الى تسليط الضوء على أهم ضمانات القانونية التي ترمي إلى الوصول الى
المحاكمة العادلة، وذلك من خلال تسليط الضوء على الأطر القانونية الواردة في
الصكوك الدولية وكذا الدستور الجزائري، مع المقارنة ببعض ما جاء في الدساتير
المقارنة بخصوص هذه الضمانات والوقوف في نفس الوقت على أهم النقاط التي كرسها
الدستور الجزائري وأفرغ محتواها ضمن قانون الإجراءات الجزائية وحتى في بعض الأحيان
في بعض النصوص التنظيمية التي تنصب في نفس الإطار.
وتهدف هذه
الدراسة أيضا في نفس المقام الى إعطاء رأي حول مدى فعالية هذه الضمانات خاصة أنها
موزّعة بين الضمانات العامة والضمانات الخاصة تلحق بمرحلة المحاكمة الجنائية، وكذا
تعطي هذه الدراسة تقييما حول مدى نجاعة بعض الإجراءات المستحدثة في خضم ضمانات
المحاكمة العادلة خاصة مع تطور الفكر الجنائي بخصوص الوصول إلى محاكمة عادلة
ونزيهة.
إشكالية
الدراسة
نظرا للمكانة
التي يحملها موضوع ضمانات المحاكمة العادلة وبالأخص بين الشق الدولي والداخلي يكون
لزاما أن يتم معالجة هذا الموضوع بشكل جوهريا وعلمي يرقى إلى مستوى المكانة التي
يحتلها ويستجيب لأسباب اختياره يقتضي الأمر أن تدور كافة الأفكار التي يطرحها
البحث حول إشكالية رئيسية جوهرها التساؤل:
- ما مدى ملائمة الدستور الجزائري مع الإتفاقيات الدولية المصادق عليها في تحقيق محاكمة عادلة
كما يطرح
موضوع البحث بعض التساؤلات الفرعية:
- ماهي الأهم الضمانات العامة التي كرستها الصكوك الدولية؟
- الى أي مدى واكبت الدساتير الجزائرية فكرة العدالة الجنائية تماشيا مع ماورد في الاتفاقيات الدولية؟
- ماهي أهم الضوابط القانونية للوصول الى محاكمة عادلة ونزيهة ؟
- كيف يمكن تحقيق الموازنة بين تسلّط الدولة وحماية المتهم في الخصومة الجزائية؟
منهاج الدراسة
نظرا للأهمية
هذا الموضوع يتطلب الأمر أن تتم دراستها وفق مناهج علمية وقانونية حتى يرتقي الى جودة
البحوث العلمية، وفقا لذلك إعتمدت في دراسة هذا الموضوع على ثلاثة مناهج أساسية:
المنهج الوصفي: وهذا من خلال
وصف بعض مضامين التي إتخدها بعض العناصر والأفكار والآراء وهذا من أجل الوصول الى
تجميع للأفكار والمفاهيم.
المنهج
المقارن: وذلك من خلال مقارنة بين الجانب الدولي والتشريعات
الداخلية بخصوص ضمانات المحاكمة العادلة وحتى بين التشريعات المقارنة التي تنصب في
نفس الإطار لاسيما عند استدلال بنصوص قانونية والقرارات الدولية والقضائية.
المنهج
التحليلي: وهذا من أجل تحليل طيّات الموضوع ضمانات المحاكمة
العادلة من مختلف جوانبه وتحليل مضمون النصوص القانونية والقرارات القضائية
والآراء الفقهية والقضائية وتباين وجهات النظر في بعض العناصر الجوهرية.
خطة الدراسة
اعتمدت في
تقسيمي لهذا الموضوع البحث على معيار الهدف وذلك من خلال الوصول إلى ضمانات العامة
المتعلقة بالحقوق والحريات المكفولة وكذا تلك ضمانات الخاصة بمرحلة المحاكمة وما
قد يصدر منها من قرارات، وفي نفس الوقت تم الاعتماد على معيار الأساس من خلال
معرفة أهم نقاط القانونية وتطورات التي عرفتها الأنظمة القانونية بخصوص ضمانات
المحاكمة العادلة حاصة عند الحديث عند التشريع الجزائري كما تم في نفس الصدد
إعتماد المعيار الزمني من خلال تسليط الضوء على تطورات التي عرفتها ضمانات
المحاكمة العادلة وتكريسها من قبل المشرع الجزائري.
وهذه الخطة هي
ذات تصميم متزامن مع جميع العناصر المتكونة منها، فيتم المرور من عنصر إلى آخر
بشكل مرن ومتسلسل، وهي خطة ثنائية مصممة على شكل جزئين اثنين، يتألف كل جزء من باب
واحد، نجملهما على النحو الأتي:
الباب الأول
جاء تحت عنوان الضمانات العامة للمحاكمة العادلة، الفصل الأول بعنوان الضمانات
العامة الموضوعية، المبحث الأول مبدأ المساواة المبحث الثاني مبدأ الحرية الشخصية،
أما الفصل الثاني بعنوان الضمانات العامة الإجرائية للمحاكمة العادلة المبحث الأول
الضمانات المتعلقة بالمؤسسة القضائية، المبحث الثاني الضمانات القضائية
للمتقاضيين.
أما الباب الثاني جاء تحت عنوان الضمانات الخاصة بالمحاكمة العادلة وهو يتكون من فصلين اثنين الأول بعنوان الضمانات المتعلقة بمرحلة المحاكمة، المبحث الأول الضمانات المتعلقة بإنعقاد المحاكمة، المبحث الثاني مبادئ سير المحاكمة العادلة، والفصل الثاني بعنوان ضمانات المتعلقة بالحكم ، المبحث الأول المبحث الثاني رقابة القضائية على تسبيب الأحكام الجزائية الاحكام.
