محاضرة في نطاق تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان (المبادئ الاحتياطية)

محاضرة في نطاق تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان (المبادئ الاحتياطية)

نطاق تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان (المبادئ الاحتياطية)

تقديم:

يسري قانون العقوبات استثناء على طائفة من الجرائم ترتكب خارج حدود الدولة وكان الأصل أن يتحاشى القانون الجزائري هذه الجرائم احتراما لمبدأ الإقليمية، إلا أنه هناك اعتبارات أولى بالرعاية قضت بضرورة الخروج على هذا الأصل.وتنتظم هذه الاستثناءات في ظل مبادئ ثلاثة تعرف عند بعض الفقه بالمبادئ الاحتياطية، وهي مبدأ الشخصية الذي يعني بما يرتكبه مواطنو الدولة من جرائم خارج حدودها، ومبدأ العينية الذي يأخذ في اعتباره طبيعة الجريمة المرتكبة خارج الدولة والتي تمس أو تهدد كيانها، ومبدأ العالمية الذي يعني بتدعيم التعاون الدولي في مجال مكافحة الجريمة، وسوف نتطرق لكل مبدأ على حدا.

أولا: مبدأ شخصية النص الجنائي

1/ تعريف مبدأ الشخصية:

ويقصد بهذا المبدأ في القانون الجزائري أن يخضع المواطن الجزائري أينما وجد لقانون بلاده، فإذا ارتكب جريمة في الخارج وعاد إلى الوطن قبل أن يحاكم عنها أو يقضي العقوبة التي حكم بها عليه أو سقطت عنه بالتقادم أو حصل بشأنها على العفو فيجوز أن يحاكم في وطنه.ويعد مبدأ الشخصية مكملا لمبدأ الإقليمية، فقد يكون هذا الأخير غير كافي لملاحقة المجرمين الذين يرتكبون جرائم خارج الإقليم الجزائري، ومن جهة أخرى حتى لا يكون الوطن ملاذا للخارجين عن القانون الذين يسيئون إلى وطنهم بارتكاب الجرائم في الخارج، فيكون لهم في العودة إلى بلدهم ملجأ يحميهم من تحمل نتائج أعمالهم الإجرامية.
ويقتضي هذا المبدأ كذلك أنه لا يجوز للدولة أن تسلم الجاني الذي يحمل الجنسية الجزائرية إلى الدولة التي وقعت فيها الجريمة لأن هذا الأمر مخالف للدستور.

2/ شروط تطبيق مبدأ الشخصية:

هناك شروط متعلقة بالجنايات التي ترتكب خارج الإقليم الجزائري وشروط متعلقة بالجنح نوردها تباعا.

أ/ بالنسبة للجنايات التي يرتكبها مواطن جزائري خارج الإقليم:

تنص المادة 582 ق إ ج "كل واقعة موصوفة بأنها جناية معاقب عليها في القانون الجزائري ارتكبها جزائري خارج إقليم الجمهورية يجوز أن تتابع ويحكم فيها في الجزائر.
غير أنه لا يجوز أن تجري المتابعة أو المحاكمة إلا إذا عاد الجاني إلى الجزائر ولم يثبت أنه حكم عليه نهائيا في الخارج وأن يثبت في حالة الحكم بالإدانة أنه قضى العقوبة أو سقطت عنه بالتقادم أو حصل على العفو عنها".
ونستنتج من نص المادة المذكورة أعلاه أنه لتطبيق مبدأ الشخصية بالنسبة للجنايات التي ترتكب في الخارج الشروط التالية:
- أن تكون الواقعة موصوفة بأنها جناية في نظر قانون العقوبات الجزائري، بغض النظر عن وصفها في قانون الدولة التي وقعت فيه.
- أن يتمتع الجاني بالجنسية الجزائرية سواء كانت أصلية أم مكتسبة، ويسري النص حتى على من ارتكب الجريمة ثم اكتسب الجنسية الجزائرية بعد اقتراف الجريمة وهذا ما نصت عليه المادة 584 ق إ ج ، وذلك حتى لا يكون اكتساب الجنسية سبيلا للتهرب من المسؤولية.
- أن ترتكب الجريمة خارج الإقليم الجزائري.
- أن يعود الجاني إلى الجزائر، بحيث لا يجوز محاكمته غيابيا.
- ألا يكون الجاني قد حكم عليه نهائيا، وإذا حكم عليه يجب أن يثبت أنه قضى العقوبة أو سقطت عنه بالتقادم أو بالعفو عنها، لأنه لا يجوز أن يحاكم الشخص عن فعل واحد مرتين.

ب/ بالنسبة للجنح التي يرتكبها مواطن جزائري خارج الإقليم:

تنص المادة 583 ق إ ج "كل واقعة موصوفة بأنها جنحة سواء في نظر القانون الجزائري أم في نظر تشريع القطر الذي ارتكبت فيه يجوز المتابعة من أجلها والحكم فيها في الجزائر إذا كان مرتكبها جزائريا".
ولا يجوز أن تجري المحاكمة أو يصدر الحكم إلا بالشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 582.
وعلاوة على ذلك فلا يجوز أن تجري المتابعة في حالة ما إذا كانت الجنحة مرتكبة ضد أحد الأفراد إلا بناء على طلب النيابة العامة بعد إخطارها بشكوى من الشخص المضرور أو ببلاغ من سلطات القطر الذي أرتكبت الجريمة فيه.
ونستخلص من نص المادة المذكورة أعلاه أن شروط تطبيق مبدأ شخصية العقوبة في الجنح التي ترتكب في الخارج هي:
- يجب أن توصف الواقعة بأنها جنحة في القانون الجزائري والقانون الأجنبي.
- أن يتمتع الجاني بالجنسية الجزائرية سواء كانت أصلية أم مكتسبة.
- أن ترتكب الجنحة خارج إقليم الجزائر.
- أن يعود الجاني إلى الجزائر بحيث لا يجوز متابعته ولا محاكمته غيابيا.
- ألا يكون قد حكم على الجاني نهائيا أو قضى العقوبة أو سقطت بالتقادم أو صدر بشأنها العفو.
وبالنسبة للجنح التي ترتكب ضد الأشخاص، فلا يجوز تحريك الدعوى العمومية إلا بناء على شكوى يقدمها المجني عليه أو بناء على بلاغ من السلطات المختصة للدولة التي وقعت فيها الجنحة إلى النيابة العامة على مستوى الجزائر.

ثانيا : مبدأ عينية النص الجنائي:

1/ تعريف مبدأ العينية:

يقصد بمبدأ عينية النص الجنائي، تطبيق قانون العقوبات على كل شخص يحمل جنسية أجنبية ارتكب في الخارج جريمة تمس بالمصالح الأساسية للدولة، بشرط أن يتم القبض عليه أو أن تحصل عليه الجزائر عن طريق تسليمه من طرف الدولة التي وقعت فيها الجريمة.
و يأتي مبدأ العينية تكملة لمبدأ الإقليمية الذي لا يمكنه أن يمتد إلى الجرائم الماسة بالمصالح الأساسية للدولة والتي تقع خارج الإقليم، وبصفة خاصة الخشية ألا تهتم الدولة التي وقعت فيها مثل هذه الجرائم بملاحقة مرتكبها أو عدم النص في قانونها على اعتبار أنها جرائم معاقب عليها.

2/ شروط تطبيق مبدأ العينية:

تنص المادة 588 ق إ ج "كل أجنبي ارتكب خارج الإقليم الجزائري بصفته فاعل أصلي أو شريك في جناية أو جنحة ضد سلامة الدولة الجزائرية أو تزييف النقود أو أوراق مصرفية  متداولة قانونا بالجزائر تجوز متابعته ومحاكمته وفقا لأحكام القانون الجزائري إذا ألقى القبض عليه في الجزائر أو حصلت الحكومة على تسليمه لها".
ومن خلال النص يمكن تحديد الجنايات والجنح المتعلقة بمبدأ العينية؛
- الجنايات والجنح ضد أمن الدولة الواردة انطلاقا من نص المادة 61 إلى المادة 96 قانون العقوبات.
- الجنايات والجنح ضد أموال الدولة الواردة انطلاقا من المادة 197 إلى المادة 204 قانون عقوبات.
كما يتضح كذلك من النص المذكور أعلاه أن شروط تطبيق مبدأ العينية هي :
- أن يكون مرتكب الجناية أو الجنحة أجنبي الجنسية.
- أن تقع هذه الجريمة خارج إقليم الجزائر.
- أن تكون الجريمة تمس بالمصالح الأساسية للدولة.
- أن يتم القبض على الجاني في الجزائر أو يتم تسليمه من طرف الدولة التي وقعت فيها الجريمة.
- ألا يكون قد حكم على الجاني نهائيا أو قضى العقوبة أو سقطت عنه بالتقادم أو العفو.

ثالثا: مبدأ عالمية النص الجنائي

1/ تعريف مبدأ العالمية:

يعني هذا المبدأ على إطلاقه أن يكون لكل دولة ولاية القضاء في أي جريمة بصرف النظر عن مكان وقوعها أو مساسها بمصالحها أو جنسية مرتكبها، بشرط أن يتم القبض عليه قبل محاكمته في الدولة التي ستحاكمه، فواقعة القبض هي التي تخول الاختصاص لمحاكم الدولة.ويحقق هذا المبدأ التعاون بين الدول في مجال مكافحة الجريمة، إذ يسمح بمتابعة أي مجرم وعدم تمكينه من الإفلات من العقوبة، أيا كانت جنسيته، وأيا كان مكان إرتكاب الجريمة، وأيا كان نوع الجريمة ووصفها.

2/ مجال تطبق المبدأ:

لقد عرف المجتمع الدولي المعاصر عصابات دولية تستفيد من تقدم وسائل الاتصالات بين الدول وسهولتها في تنفيذ مخططاتها الإجرامية، فظهر على المستوى العالمي إلى جانب جرائم القرصنة، جرائم الاتجار بالرقيق الأبيض، المتاجرة بالمخدرات، جرائم تبييض الأموال، وتزييف النقود ونشر المطبوعات المخلة بالحياء وغيرها من الجرائم التي ابتليت بها الإنسانية، ويلجأ أفراد هذه العصابات إلى مغادرة الدول التي يرتكبون فيها جرائمهم وتغيير جنسياتهم حتى يتجنبوا محاكمتهم عن تلك الجرائم متعللين في ذلك باختلاف التشريعات الجنائية للدول المختلفة، ومن كل ما سبق ظهرت الحاجة إلى بقاء تعاون الدول فيما بينها لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة.

3/ تطبيق المبدأ في الجزائر:

ولا شك في أن أسلوب التعاون الدولي في مكافحة الجريمة هو أكثر الأساليب فعالية لمواجهة الجريمة العابرة للحدود، فلا تكتفي الدولة بإدراج الجرائم الواردة في الاتفاقيات الدولية، بل تعطي الاختصاص لنفسها في محاكمة الفاعلين سواء تم ارتكاب الجريمة داخل الإقليم أو خارجها، وسواء ارتكبها أحد رعاياها أو رعايا دولة أجنبية، وهو ما يعرف بالولاية القضائية العالمية، والتي للدولة عن طريق النص على ذلك صراحة في نصوصها الداخلية، كما يمكن أن تتقرر بموجب اتفاقية دولية كما هو الحال في ديباجة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تذكر أن "من واجب كل الدول أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية على أولئك المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية".والكثير من الدول لجأت إلى هذه الوسيلة، بحيث تمت متابعة عدد كبير من المتهمين أمام المحاكم الجنائية الوطنية بسبب خروقات خطيرة أو بسبب ارتكاب جرائم حرب، واستندت تلك المحاكمات إلى نوع من الولاية خارج حدود الدولة، لكن بعض الدول تضع شروطا لهذه الولاية مثل اشتراط حضور المتهم أو القبض عليه قبل البدء في إجراءات المتابعة، وبعض الدول تجعل ذلك خاضعا للسلطة التقديرية للنيابة العامة.
أما المشرع الجزائري فلم يتضمن في قانون العقوبات نصا يأخذ بمبدأ العالمية، ومع ذلك يرى بعض الفقه في الجزائر أن هذا المبدأ واجب التطبيق في أي دولة لم تنص عليه بالنسبة لجرائم القرصنة، بحيث يستند في ذلك إلى عرف دولي مستقر يسمح للدولة التي تقبض على القرصان أن تحاكمه وفقا لتشريعها حتى ولو وقعت الجريمة في أعالي البحار وكان الجاني لا يحمل جنسيتها، ومن الفقه من يرى بجواز تطبيقه استنادا إلى واجب تدعيم التعاون بين الدول في مكافحة ظاهرة الإجرام، إلا أننا نرى عكس ذلك، لأن التعاون الدولي كفكرة فضفاضة غير واضحة المعالم لم نستطع استنادا إليها حتى تجسيد مبدأ العالمية في نص في قانون العقوبات، فلا يمكننا من باب أولى تطبيقه لتعارضه مع مبدأ الشرعية الذي يقتضي "لا جريمة ولا عقوبة ولا متابعة جزائية إلا بنص".

المرجع:


  1. عبد الرحمان خلفي، محاضرات في القانون الجنائي العام، دراسة مقارنة، دار الهدى، الجزائر، سنة 2013، ص 73 إلى ص 79.
google-playkhamsatmostaqltradent