المصادر التفسیریة للقانون (الفقه والقضاء)

المصادر التفسیریة للقانون (الفقه والقضاء)

یعتبر كل من الفقه والقضاء من المصادر التفسیریة للقاعدة القانونیة، والمقصود بالمصادر التفسیریة هي المصادر التي تساعد على توضیح ما في القاعدة القانونیة من غموض، وتعتبر بالتالي مصدرا یستند إلیه القاضي للتعرف على حقیقة القواعد المستمدة من المصادر الرسمیة.

وتتمثل المصادر التفسیریة في الفقه الذي یعتبر الجانب العلمي للقانون (الفرع الأول)، والقضاء الذي یمثل الجانب العملي للقانون (الفرع الثاني)، والعلاقة بینهما وثیقة فكل واحد یكمل الآخر، فلا غنى للقاضي المطبق للقانون عن رأي الفقیه في توضیح غموض القاعدة القانونیة، ولا غنى للفقیه عن القضاء الذي بواسطته یطلع على ما وجد من ثغرات عملیة.

وللفقه والقضاء دورا كبیرا في توجیه المشرع في تعدیل التشریع أو في إصدار تشریعات مسایرة للتطورات الاجتماعیة والاقتصادیة للمجتمع.

الفرع الأول: تعریف الفقه ودوره

یقصد بالفقه مجموع الآراء التي یقول بها الفقهاء ویقوم على استنباط الأحكام القانونیة من مصادرها بالطرق العلمیة، مع مناقشة هذه الأحكام، وذلك بقصد إظهار ما في القانون من نقص أو عیب. كما یقصد به أیضا ما یصدر عن رجال الفكر القانوني من شروحات وتفسیرات وانتقادات للنصوص القانونیة، وتعلیقات على الأحكام القضائیة.

وقد كان للفقه دورا مهما باختلاف الأزمنة والأنظمة، ففي القانون الروماني كان الفقه مصدرا أصلیا للقانون، إذ كانت آراء بعض الفقهاء "كباینیان وجایوس وایلبیان وبول وهودستان"، بمثابة قواعد قانونیة تلزم القضاة في أحكامهم، بل أكثر من ذلك فقد جمع الإمبراطور جوستنیان مبادئ وآراء هؤلاء الفقهاء الخمسة في مجموعته القانونیة الشهیرة  التي سماها "مدونة جوستنیان" ، وكانت أساسا للقانون الروماني لعدة قرون.

أما في الشریعة الإسلامیة فقد قام الأئمة المجتهدون عن طریق الإجماع والقیاس، بشرح وتوضیح المبادئ الكلیة والقواعد العامة الواردة في القرآن والسنة، وهما المصدران الأساسیان لها، حیث ظهرت المذاهب الإسلامیة المختلفة واشتهر منها مذاهب الأئمة الأربعة أبو حنیفة والشافعي ومالك وابن حنبل،  وعلى أیدیهم تم تأصیل مناهج البحث وتفریع حلول كثیرة منها حتى اعتبرت هذه الشریعة نظاما قانونیا متكاملا تنافس أحدث وأرقى الشرائع.

وفي القوانین الحدیثة لعب الفقه دورا سابقا كمصدر رسمي للقاعدة القانونیة وأصبح الآن مقتصرا على تفسیرها وشرحها، وكشف ما فیها من نقص أو غموض أو تناقض.

وفي القانون الجزائري یقتصر دور الفقه على تفسیر القانون، وشرحه واستنباط مبادئه، فیكون الفقه هدیا للمشرع وللقاضي.

وعلى هذا الأساس فإن الفقه یعتبر مصدرا تفسیریا في شرحه للقانون، فالفقیه لیست له صفة رسمیة في وضع القانون أو في تطبیقه، وآرائه في القانون لیست ملزمة له وللمشرع أو القاضي.

الفرع الثاني: تعریف القضاء ودوره

للقضاء عدة معاني، فقد یقصد منه الجهاز الفني الذي یقوم على مرفق العدالة والمكون من القضاء. وقد یقصد بالقضاء استقرار أحكام المحاكم في اتجاه معین. وهو مجموعة المبادئ العامة المستخلصة من أحكام المحاكم عند تطبیقها للقانون.

وقد كان للقضاء دور كبیر في القانون الروماني، فعلى أیدي البریتور الروماني تطور القانون الروماني تطورا كبیرا بما أضاف إلیه من قواعد ومبادئ قانونیة والتي تكون منها القانون البریتوري الذي أدمج في القانون الروماني على أیدي الإمبراطور جوستنیان.

ویعتبر القضاء المصدر الرسمي الأصلي للقانون في البلاد الأنجلوساكسونیة حتى الآن، ومنها انجلترا والولایات المتحدة الأمریكیة، كندا، استرالیا، الهند، وجنوب إفریقیا، فدور القضاء هو خلق قواعد القانون عن طریق ما یسمى السابقة القضائیة، ومن المقرر في هذه البلدان أن أحكام المحاكم العلیا تكون سوابق قضائیة للمحكمة التي أصدرتها ولغیرها من المحاكم الدنیا في الحالات المماثلة التي تنظر فیها مستقبلا.

أما في البلاد اللاتینیة كفرنسا، ألمانیا، ایطالیا، دول أمریكا اللاتینیة وبعض الدول العربیة كالجزائر، فمازال دور القاضي یقتصر على تفسیر القانون عند تطبیقه ولا تلزم المحاكم بما جرى علیه العمل في المحاكم الأخرى، وفي الشریعة الإسلامیة لم یكن للقضاء دورا مستقلا نظرا لأنه كان یتم اختیار القضاة من الفقهاء الذین كانت لهم شروحهم وتفسیراتهم المستقاة من مصادر الشریعة الإسلامیة المختلفة.

وفي الجزائر یعتبر القضاء مصدرا تفسیریا للقانون، وحكم أي محكمة قاصر في حجته على النزاع الذي فصل فیه، ولا یلزم أي محكمة أخرى بل أنه لا یقید المحكمة التي أصدرته.

المرجع:

  1. د. بركات كريمة، محاضرات في مقياس المدخل للعلوم القانونية (النظرية العامة للقانون)، مطبوعة موجهة لطلبة السنة الأولى، جامعة محند أكلي أولحاج البويرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص، الجزائر، السنة الجامعية 2020/2021، ص 61 إلى ص64.

google-playkhamsatmostaqltradent