القانون العام الاقتصادي : النشأة والتطوّر والتعريف والعلاقة بالقوانين الأخرى ذات الصّلة بالموضوع الاقتصادي

المحاضرة الأولى

القانون العام الاقتصادي: النشأة والتطوّر والتعريف والعلاقة بالقوانين الأخرى ذات الصّلة بالموضوع الاقتصادي

القانون العام الاقتصادي : النشأة والتطوّر والتعريف والعلاقة بالقوانين الأخرى ذات الصّلة بالموضوع الاقتصادي
عرفت المنطقة الغربية من أوروبا تطورا ملحوظا في الصّناعات النسيجية والقطنيّة وتفرعاتها المتنوّعة نتيجة الاستعمال المتصاعد للأداة الإنتاجية إنجلترا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، منذ القرن الخامس عشر الميلادي الذي يعتبره المؤرخون قرن البدايات الأولى للنهضة الصّناعية، والتأسيس لمرحلة الليبرالية وقوّة الرأس المال، وما أعقبها من غزو لمناطق نفوذ جديدة من العالم(آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية) بغرض البحث عن أسواق ومنافذ جديدة للمنتوجات، ويد عاملة غير مكلفة، ومواد أولوية للصناعات الناشئة. هذا وقد جاءت "الدولة الأمة..Etat Nation" كنتيجة لانتهاء الحروب الدينيّة في أوروبا، وبداية بروز عنصر القومية كعنصر مؤسّس للدولة الحديثة بفضل التأثير الإيجابي لعصر التنوير في الطّبقة السّياسية الحاكمة في الغرب التي بدأت تأخذ بعين الاعتبار صوت المواطن، أيا كان أصله أو مكانته في السلم الاجتماعي، في ظل نظام سياسي جديد يتبنى مبدأ التمثيل الشعبي. ويقوم بالأساس على عنصر الانتخاب عوّض التعيين بسبب الانتماء لطبقة اجتماعية (نبلاء وملوك و إقطاعية)،و أن" شرعية الملكية القائمة على الانتماء تستبدل بالشرعية الديمقراطية القائمة على الانتخابات".
ومن نتائج هذا التوّسع في مفهوم الدولة-الأمّة، وكذلك بسبب التطوّر الحاصل في مخرجات الثّورة الصّناعية التي شهدتها أوروبا الغربية تحديدا(إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبعض مناطق أوروبا الوسطى)، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أن أعلن عن تقسيم جديد للمجتمع الغربي يقوم على أساس اقتصادي، بعد أن كان مقسّما-قبلها- على أساس قانوني.
وهو ما يعني أن تقسيم المجتمع الغربي، وبفضل الوافد الرأسمالي الجديد،لم يعد يقوم على نظام الامتيازات القانونية الذي كان قائما قبل ذلك، وهو التقسيم الذي كانت تمثّله الطوائف الحرفيّة، وبشكل منظم، إلى غاية بروز ما أصبح يعرف بالعمل المأجور(Le travail salarier) الذي أسّست له الثورة الفرنسية العام 1789 التي ألغت نهائيا الجمعيات و الطوائف الحرفيّة بعد أن اتهمتها" بعرقلة حرية العمل وخدمة نظام الإقطاع و الرق" .
وبحلول القرن التاسع عشر الذي كان قرنا للمطلبيّة الحقوقية والاجتماعية والاقتصّادية على امتداد العالم الغربي نتيجة التأثير الايجابي لفلسفة التنوير على صاحب القرار السياسي في أوروبا الغربية بالإضافة إلى تصاعد الإضراب كأداة مطلبيّة بغرض تحسين ظروف وشروط العمل ، بدأ ما أصبح يعرف بالتدخل التقليدي للدولة–كقوّة عمومية- في النشاط الاقتصادي للحيلولة دون تفاقم الفوارق الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد نتيجة ارتفاع معدلات الاستغلال الرأسمالي لليد العاملة من الجنسين على أوسع نطاق في العديد من دول أوروبا الغربية التي شهدت ثورة صّناعيّة.
يعتبر المرفق العمومي" أحد أهم أوجه تدخل الدولة في حياة الجماعة"، وذلك بغــــرض توفير الخدمات الأساسيـة واللّصيقة بحياة المواطن وضمان الخدمة العمومية بعدل وإنصاف للعامة من المرتفقين في كل من إنجلترا وفرنسا وألمانيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، قبل أن يتم تعميم هذا النموذج من تدخل الدّولة في النشاط الاقتصادي في عديد الدول بعد أن خاضت شعوبها حروب الاستقلال، ومنها الدولة الجزائرية المستقّلة التي اختارت النهج الاشتراكي في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية القائم على المؤسسة المسيّرة ذاتيا(الفترة الزمنية الممتدة من سنة 1962 و إلى غاية سنة 1966)، والمؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري و الشركة الوطنية(1966-1971)، والمؤسسة الاشتراكية(بموجب أحكام الأمر رقم:71-74 المؤرخ في 16 نوفمبر 1971) قبل الانتقال إلى المؤسسة العمومية الاقتصادية العام 1988(بموجب أحكام القانون رقم:88-01 المؤرخ في 12 جانفي 1988 المتضمن القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية-الجريدة الرسمية للجمهورية الديمقراطية الشعبية -العدد:02)، كما جاءت أحكام التعديل الدستوري لسنة 1989 معزّزة للدور الاجتماعي للدّولة(Le rôle social de l’Etat) في ظل هذا التعديل الدستوري الذي رسّخ مبدأ الفصل بين" الدّولة باعتبارها قوّة عمومية والدّولة باعتبارها المالك لرأسمال المؤسّسات الاقتصادية والتجارية"
ولمعالجة هذا البروز المتسارع لنظرية الدولة وصيّغ تدخلها في النشاطات الاقتصادية ضمن المحور الموسوم بـ:"القانون العام الاقتصادي: النشأة والتطوّر والتعريف والعلاقة بالقوانين الأخرى ذات الصّلة بموضوع الاقتصاد"، فضلت إلقاء الضوء على ظروف النشأة والتطوّر لهذا القانون بإنجلترا (بريطانيا بعد التوحيد)التي كانت مهدا لأولى العهود والمواثيق والإعلانات الخاصة بالحقوق الأساسية للفرد، والإقرار بالحق في الملكية الفردية ابتداء من النصف الثاني من سنة 1215، كما كانت الحاضنة للثورة الصّناعية بفضل اكتشاف الآلة(La machine)، والانتشار الواسع للقطاع الاقتصادي العمومي إلى غاية سبعينيّات القرن الماضي، وكذلك فرنسا التي شهدت بدورها نموا متسارعا للقطاع العمومي الاقتصّاد يبعد الحرب العالمية الثانية (المبحث الأول) لأتطرق، بعد ذلك للموضوع المتعلق بالتعريف والأهمية وعلاقة هذا القانون بالقوانين ذات الصّلة بالقانون الاقتصادي (المبحث الثاني).

المبحث الأول : نشأة وتطوّر القانون العام الاقتصادي

ازداد التدخل في النشاط الاقتصادي في كل من إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن وصلت حصّة الانفاق العمومي- خلال القرن التاسع عشر، وهو قرن اللّيبرالية والعودة القويّة لمفهـوم الدولة صاحبة السلطة والسيّادة، من الناتج المحلي الخام بين 08% في الولايات المتحدة الأمريكية و نسبة 15% في فرنسا ، وذلك لمواجهة الأثار السلبية لتقسيم المجتمع على أساس: معيار من يملك لا من يشتغل أو يعمل.
ولأهميّة الإحاطة بظروف النشأة و التطوّر القواعد القانونية الأولى الناظمة للقانون العام الاقتصادي بأوروبا الغربية التي شهد جزء واسع منها مظاهر النهضة الصّناعية فضلت التقسيم الآتي لهذا المبحث،أتناول نشأة وتطوّر القانون العام الاقتصادي بأوروبا الغربية(المطلب الأول)، لأتطرق بالدراسة  و التحليل لأهمية و تعريف و القواسم المشتركة بالقوانين الأخرى(المطلب الثاني).

المطلب الأول: نشأة وتطوّر القانون العام الاقتصادي بأوروبا الغربية

لقد كان لهذا التقسيم القانوني الذي أفرز الانقسام الطّبقي(طبقة بورجوازية غنية ومالكة للرأس المال والأداة الصّناعية في مقابل طّبقة عاملة لا تملك إلا قوّة عملها تقترحه للبيع مقابل أجر)الأثر السلبي على الفئات الاجتماعية الضعيفة(العمال ومختلف الفئات الاجتماعية و المهنية الضعيفة) بسبب الاستغلال البشع لقوّة رأس المال لليد العاملة(نساء ورجال وأطفال)، الأمر الذي دفع العمال الأجراء اللجوء إلى تحطيم الآلة الإنتاجية تارة وتعطيلها بالاحتجاج تارة أخرى بغرض إلحاق الضرر بصاحب العمل(الرأسمالي) للانتقام من حالة الاستعباد التي مثلتها الآلة الجديدة، فكان الإضراب أحد أهم الوسائل التي استعملتها الطبقة العاملة في مواجهتها للاستغلال الرأسمالي.

الفرع الأول: المظاهر الأولى لتدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية

إنجلترا كانت سبّاقة في استكمال شروط النهضة الاقتصادية، منذ بزوغ عصر الاستكشافات العلمية التي وجدت في المجتمع الإنجليزي الحاضنة لكل ما هو جديد، كما كانت بريطانيا ثاني دولة أوروبية غربية، بعد مملكة هولندا التي بادرت إلى إنشاء الشركة الهولندية للهند الغربية (La Compagnie Hollandaise des Indes Occidentales) في حدود الربع الأول من القرن السابع عشر(قرن التوسع الرأسمالي)،تصدر قانونا خاصا ينظم امتياز الشركات العابرة للأوطان الذي جاء عاكسا لإرادة التوسع البريطاني بغرض البحث عن أسواق جديدة للمنتجات البريطانية وتوريد المادة الأولية الموجودة في شبه الجزيرة الهندية، فكان لها أن أسهمت الحكومة البريطانية في تأسيس إحدى أكبر الشركات الرأسمالية العابرة للأوطان وهي الشركة البريطانية للهند الشرقية في سنة 1600 لتكون ذراعها الاقتصادي والتجاري وجلب المادة الأولية من المستعمرات.
إنّ ما يميّز الملكية (النظام الملكي) في هذا البلد أنّها كانت تتعامل مع المطلبيّة الحقوقيـــــة والاجتماعية والسياسية للأفراد الإنجليز والبريطانيين بشيء من التفهم بعيدا عن القمع  السلطويّ(La répression autoritaire)كالذي كان يحدث بفرنسا اليعقوبية (L’Etat jacobin) التي  تميّز ملوكها وجمهورييها (اليمين واليسار)على حد سواء بالغطرسة، والتعالي الطبقي، واستعمال العنف ضد الفئات الشعبية الدنيا أيا كان أصلها الاجتماعي والديني منذ تاريخ الإعلان عن قيام الثورة الفرنسية العام 1789.
أقرت إنجلترا مجموعة من الحقوق الفردية والجماعية للفرد الإنجليزي، ابتداء من سنة 1215، فأصبحت بذلك مهدا" للعديد من الوثائق الأساسية في مجال الحريّات الأساسيّة" ، وهي مواثيق وعهود تبقى و إلى يومنا هذا محلّ اهتمام من لدن الدارسين والباحثين في الشأن الحقوقي على الصعيد الدّولي.
إنجلترا، وقبل فرنسا، وبسبب الانتشار الواسع للورشات الصّناعية، وفروع الحدادة المكتظّة باليد العاملة من الجنسين في مصانع النسيج والغزل والصوف، عرفت توسعا في المطلبيّة الاجتماعية والحقوقية نتيجة بداية تشكّل لطبقة عاملة بدأت تعي بأهميتها (بسبب العدد) ضد قوّة رأس المال، كما عرفت ورشات الغزل والنسيج في منطقتي يور كشاير ولانكشاير في أواخر القرن الثامن عشر أولى حالات الإضرابات العنيفة وتحطيم الآلة الإنتاجية الجديدة في قطاعات الغزل والنسيج التي اعتبرها العمال أداة للاستغلال والهيمنة الرأسمالية.
ومن العهود والعرائض والمواثيق التي عرفتها إنجلترا التي أسهمت، وبدرجة كبيرة، في الاعتراف الحكومي بمجموعة من الحقوق الأساسية للإنسان الإنجليزي، والدفع بالسلطات العمومية إلى مزيد الاهتمام بالانشغال بالمطلبية الحقوقية و الاجتماعية لمختلف الفئات الاجتماعية للمجتمع الانجليزي، أذكر الآتي: -عهد الماكما كارتا (Magma carta) لعام 1215: وهي وثيقة حقوقيّة أساسيّة حررها ممثلو طبقة الإقطاعيين بغرض تحديد السلطات الواسعة التي كان يحوز عليها الملك المستبد المعروف بلقب("Le Roi JEAN sans terre") وقد كان لها(لهذه الوثيقة الحقوقية) الأثر البالغ في الاقرار بالعديد من الحقوق الأساسية اللّصيقة بالإنسان كالحق في الحرية الفردية(حرية انتقاد الملك، وإبداء رأي معارض، والحق في الملكية الفردية، والحق في التجارة..)، بالإضافة إلى ضمان الحرية الشخصية للأفراد؛-عريضة الحقوق لعام 1628(Pétition of Rights):وهي عريضة حقوقيّة تاريخيّة أسّست لمنظومة حقوقيّة أساسيّة في إنجلترا  أجبرت الحكومة الإنجليزية بقيادة شارل الأول على إلغاء جباية ضريبة لم يصوّت البرلمان عليها؛-شرعية الحقوق(Bill of Rights) لعام 1689:وقد كانت محلّ تصديق برلماني بتاريخ 25 أكتوبر 1689، وإن أهم ما جاء فيها تحريم أي تعليق لمفعول أي قانون من طرف الملك، بالإضافة إلى تحريم فرض أيّة ضريبة، أو إنشاء محاكم دون موافقة البرلمان مع ضمان الحريات الشخصية، والحق في تقديم المواطن لعريضة.وكأثر مباشر للعرائض والإعلانات ذات المضمون الحقوقي المساعد للمطلبيّة الاجتماعيّة في إنجلترا، بادرت مجموعة من الخياطين على مستوى مقاطعة لندن العام 1820 بتقديم عريضة مطلبيّة مهنية واجتماعية بالنيابة عن سبعة آلاف(7000) خياط إلى البرلمان جاء فيها: "إنّ عمال الخياطة في المدن وضواحيها الذين تنادوا لتأليف جمعيّة بقصد زيادة أجورهم وتخفيض يوم عمل ساعة واحدة.."، بالإضافة إلى طلب الإقرار بحق الاجتماع لأصحاب المهنة الواحدة(Le droit de réunion)، في الوقت التي كانت فيه الدولة الفرنسية تمنع أي شكل من أشكال التّكتّل(Le droit à la coalition) بين أصحاب المهنة الواحدة، بل وتقوم بتجريمه إلى غاية تاريخ: 21 مارس 1884(تاريخ الإقرار القانوني بالحرية النقابية والحق في التنظيم بموجب أحكام قانون يعرف بقانون والداك روسو-WALDECK Rousseau-).إن أهم نتيجة لهذا التحرك الحقوقي والاجتماعي ضد تغوّل قوّة رأس المال، الأول من نوعه على امتداد الساحة الأوروبية، والداعي إلى ضرورة السماح للحق في التجمع(Le droit à la réunion)من أجل انتخاب ممثلين عن أصحاب المهنة(مهنة الخياطة) للدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للعمال الأجراء على مستوى هذا قطاع ، كانت نتيجته أن سمحت الحكومة الإنجليزية بالحق في التجمع لعمال المهنة الواحدة والمتشابهة بدءا من سنة 1825-1826، وأقرت دون نص قانوني"للاتحادات النقابيّة العمالية الحــق في المفاوضة الجماعية دون تمكينها من الأهليّــــــــــــــة المدنيّة"، وهو ما يعني أن الحكومة الإنجليزية قد مكنت النقابات العمالية من ممارسة الحق في التفاوض الجماعي قبل أن نسمح به السلطات الفرنسية للنقابات العمالية الفرنسية بحوالي نصف قرن.وهو ما مكّن إنجلترا من أن تشهد توسعا في القطاع الاقتصادي العمومي و في إدارة أهم القطاعات الإستراتيجية ذات العلاقة الوطيدة بالحياة اليومية للإنسان الإنجليزي والبريطاني بصفة عامة، بعد أن اعترفت الاتحادات والمنظّمات النّقابية العمالية التي كانت ذات نزعة عنفويّة في ما يخص الجانب المطلبي، على إثر خسارتها الصراع مع السلطات العمومية سنة 1848، بالرأسمالية كواقع يجب التعايش معه والاستفادة من حقــــــــــــوق المواطنــة الكاملة، وألغت بذلك نهائيا من قاموسها مفهوم" الصراع الطبقي..La lutte des classes" الذي يعدّ أساس النظرية الماركسية. ولم تدخر الحكومات الإنجليزية(العمالية منها بالخصوص) المتعاقبة جهدا في مجال تعزيز تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية بصفة عامة، وفي المجالات الحيوية مرتبطة بالمواطن الإنجليزي وأهمها: مجال الصحة العمومية، والنقل بالسكك الحديدية، والنقل البري والجوي والبحري، بل كانت بريطانيا،ومنذ تاريخ الوحدة مـــــع إسكتلندا وضم الجزء الشمالي من إيرلندا، و إلى غاية وصول السيّدة مارغريت تاتشر إلى سدّة رئاسة الحكومة البريطانية العام 1979،كانت بريطانيا الدولة الأوروبية الغربية الوحيدة التي كانت متبنيه للنظام الرأسمالي القائم على الحرية الاقتصادية الفردية إلا أنّها كانت متميّزة بوجود قطاع عام اقتصادي واسع النطاق يشمل النقل العمومي، والتعليم، و الصحة، وإدارة وتسيير الموانئ و المطارات.

الفرع الثاني : بريطانيا وأول تجربة للخوصصة بدعم من المؤسسات المالية العالمية

سعت رئيسة وزراء بريطانيا السيّدة مارغريت تاتشر، بعد التنصيب الرسمي لها بتاريخ الرابع من شهر ماي 1979، إلى الحد من دورالدولة في النشاط الاقتصادي من خلال اعتماد أحد أكبر برامج الخوصصة للمؤسسات والقطاعات الاقتصادية العمومية بدعم" من المؤسسات المالية العالمية". لقد وجدت الحكومة البريطانية في تنفيذ سياسات الخوصصة للقطاع العمومي الاقتصادي، والتنازل عن الادارة المباشرة للمرافق العمومية من طرف الدولة كقوّة عمومية، كل الدعم السياسي والمؤسساتي من الرئيس الأمريكي الجمهوري رونالد ريغن(الفترة الرئاسية:1981-1989) الذي كان مدافعا شرسا على حريّة المبادرة الخاصة والاستثمار، وعدم تدخـل الدولـة في إدارة وتسيير النشاطات الاقتصادية بأي شكل كان. وبالإضافة إلى ما تلقته رئيسة الحكومة البريطانية من دعم ماليّ وخبراتي(الخبرة) من جانب خبراء المؤسسات المالية العالمية الذين وجدوا في التجربة البريطانية في مجال الخوصصة النموذج الذي حاولوا فرضه في دّول أخرى(أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا..) واجهتها أزمات تمويل مالي وعجز كبير في الميزانية العامة للدولة، أو عسر اقتصادي أدى إلى عدم القدرة على سداد الدين الخارجي، وذلك بواسطة ما أصبح يعرف" ببرامج التسوية الهيكلية أو التثبيت الهيكلي". هذا ويتم التأريخ للعودة القويّة للمؤسسات المالية العالمية(صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) لسنة 1974، بعد أن واجهت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أزمة تمويل اقتصادي عالمي بسبب استعمال العرب للنفط في مواجهة الغرب الداعم لإدارة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1973(حرب أكتوبر 1973).

الفرع الثالث: المظاهر الأولى لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بفرنسا

ألغت الثورة الفرنسية العام 1789الطوائف الحرفية التي لم تتمكن من مواكبة التطوّر الرأسمالي، وعوّضتها بنظام قانوني جديد يقوم على عقد العمل الفردي، فأنشأت لذلك سوقا مأجورا للعمل(Un Marché de travail salarié-travail contre salaire-من خلال التنصيص على مبدأ حرية العمل سنة 1791(مراسيم دالارد لعام 1791..Les Décrets d’ALLARD)، بالإضافة إلى قانون لوشابليي(Loi Le Chapelier) لعام 1791 الذي أقر وجود تنظيمات الأجراء، حتى و إن كان لم يعترف بعد بالحق في التّكتّل(Le droit à la coalition)،والإضراب،وذلك من منطلق أنّه لا يجب أن تتدخل الدولة في كل ما يتعلق بإبرام عقد العمل الفردي.
- الثورة الاجتماعية لعام 1848 وبداية تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي: لم تشهد فرنسا استقرارا اجتماعيا منذ بروز المظاهر الأولى للثورة الصّناعية في أوروبا الغربية بسبب عنف السلّطة السياسية الحاكمة في هذا البلد، كما أن ثورة 1789 لم تغيّر من الوضع الاجتماعي المأساوي الذي كان يتخبط فيه شريحة اجتماعية ومهنية وحرفية واسعة بسبب سيطرة  الطبقة الرأسمالية على مقاليد الحكم.ومن مظاهر التأثير الواسع في طبيعة الدولة الذي أحدثه" مذهب حريّة التعاقد على مدار النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر" أن أمتنعت الدولة الفرنسيّة من أن تتدخل في النشاط الاقتصادي، مباشرة بعد قيام ثورة 1789، التزاما منها بشعار مبدأ المساواة وعدم التأثير على مبدأ حرية التعاقد، إلا أن استئثار الرأسمالية الفرنسية بقوّة تفاوضية كبيرة في مواجهة العامل الأجير، قد أجبرها، وبعد الثورة الاجتماعية الكبرى العام 1848( التي كانت نتائجها وخيمة على الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي التي شهدت إصدار أول حكومة فرنسية وليدة إعلان قيام الجمهورية الثانية لمجموعة نصوص تشجّع الاستيلاء على الأراضي الجزائرية)، على أن تتدخل في النشاط الاقتصادي بغرض تحقيق التوازن بين رأس المال وقوّة العمل، والحيلولة دون انفجار المجتمع الفرنسي بسبب تزايد معدلات الفقر واتساع البطالة بسبب الانهيار الاقتصادي.وبالعودة إلى القانون المدني الفرنسي لعام 1804(الصادر بتاريخ 21 مارس 1804) فقد جاء خاليا من أي تنظيم لعقد العمل، أو أي شكل من أشكال الحماية القانونية للأجير، بل جاء فيه (نص المادة 1781 منه) أنّه في حالة حدوث خلاف بشأن الأجر(Le salaire) بين صاحب العمل(رب العمل) والأجير، فإن صوت صاحب العمل هو الذي يكون محل اعتبار أمام المحكمة(قامت السلطات العمومية الفرنسية بإلغاء هذا النص في شهر جويلية 1868).وبالنتيجة وجدت السلطات العمومية بفرنسا نفسها في مواجهة مطلبيّة حقوقيّة واجتماعيّة متصاعدة أجبرتها، بعد تشكيل أول حكومة فرنسية انبثقت عن قيام الجمهورية الثانية العام 1848،إلى المزيد من التدخل في الشأن الاجتماعي للحيلولة دون أن تتفجّر الأوضاع المعيشيّة المترديّة.ومن أوجه هذا التدخل الذي كان له تأثير فاعل في طبيعة النشاط الاقتصادي للدولة، بعد إعلان قيام الجمهورية الثانية العام 1848 بفرنسا، الآتي:-إنشاء صندوقين للتأمين من حوادث العمل(جويلية 1868)؛-إنشاء أول سلك لتفتيش العمل وإصدار قانون يمنع منعا باتا تشغيل الأطفال لمن هم دون سن الـ12 سنة(سنة 1874)؛-اعتماد أول قانون حول التأمين من حوادث العمل(27 جوان 1884)؛-اعتماد السلطات العموميّة الفرنسية مبدأ التسيير المباشر للمرافق العمومية سيّما بعد سنة 1848، كما عرفت التجربة الفرنسية ما أصبح يعرف بعقد امتياز المرفق العمومي(Concession de servicepublic)؛-إصدار قانـون ينظم شروط الأمن و الوقاية في أماكن العمل(12 فبراير 1893)؛-إصدار قانون حول حوادث العمل، وقد حدّد المشرع الفرنسي في هذا القانون، وللمرّة الأولى، مسئولية تنظيم العمل داخل الورشة أو المصنع-مكان العمل- لصاحب العمل؛-الاعلان عن إنشاء المجلس الأعلى للشغل(بتاريخ الفاتح من سبتمبر 1899)؛-تخفيض الحجم الساعي اليومي للعمل إلى 11 ساعة عمل في اليوم (بموجب قانون Millerand بتاريخ 30 سبتمبر 1900) بالإضافة إلى تخفيض الحجم الساعي اليومي للعمل إلى ثماني(8) ساعة عمل بالنسبة للأحداث(بموجب قانون صادر بتاريخ 29 جوان 1903)؛-إصدار قانون 13 جويلية 1906 المتعلق بالإقرار الرسمي لنهاية عطلة الأسبوع المحددة ب24 ساعة راحة مدفوعة الأجر، والإعلان عن إنشاء وزارة للعمل والحيطة الاجتماعي(Ministère du travail et de la prévoyance sociale)،وإصدار أول قانون للعمل ينظم علاقات العمل في القطاعين العمومي والخاص بتاريخ 28 ديسمبر 1910.
- الحرب العالمية الأولى(1914/1918) وتدّخل الدولة في النشاطات الاقتصادية: بادرت السلطات العمومية الفرنسية، وبغرض تجاوز حالة الدمار الواسع ،وبعد التوصل إلى معاهدة فرساي العام 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى والإعلان عن إنشاء عصبة الأمم والتوصية بإنشاء تنظيم دولي يعنى بشؤون العمل(وهيا لتوصية التي تكللت بالإعلان عن إنشاء المنظمة الدّولية للشغل العام 1919)،إلى اعتماد سياسات عامة تقوم على إعطاء الأولوية للاستثمارات العمومية في المجال الاقتصادي لتعويض غياب القطاع الخاص الفرنسي(الذي خرج من الحرب العالمية الأولى منهك القوى وضعيف) عبر النماذج الآتية من المؤسسة العامة-العمومية- الإدارية والاقتصادية:-تبني الدولة الفرنسية لمبدأ الاستثمار العمومي الاقتصادي بغرض محو آثار الدمار الذي تسببت فيه الحرب العالمية الأولى(1914-1918)؛-تعزيز دور ومكانة المرافق العمومية الإدارية والصّناعية ضمن الهدف العام الذي حددته الدولة الفرنسية والقاضي بتكفل السلطات العمومية بكل ما يتعلق بالتسيير المباشر-باعتبارها صاحبة سلطة و سيادة- لمرافق عموميّة يتحدد وجودها في إشباع مصلحة عامة؛
-استحداث حكومة الجبهة الشعبية(بعد الانتخابات التشريعية الفرنسية:03 ماي 1936) للدواوين العمومية، وكانا لهدف من إنشائها أن تتكفّل الدولة الراعية(صاحبة السلطة والسيادة) بمسائل تنظيم وتوزيع واستيراد موّاد حساسة كالقمح والدواء والقطن، بالإضافة إلى تمكين الدولة من أن تتحكم في إنتاج وتوزيع الموّاد ذات الاستهلاك الجماهيري الواسع (ومن أهم هذه الدواوين التي أنشأتها السلطات العمومية الفرنسية: الديوان الفرنسي للحبوب؛
-دعم و تعزيز المؤسسة العمومية الادارية(Etablissement Public Administratif) التي لها القدرة على أن تكون متواجدة في كل الأماكن التي ترى السلطات العمومية ضرورة تواجدها بغرض ضمان السيرورة الاقتصادية  الاجتماعية والخدمية(صيانة الطرق والجسور، وتعبيد طرق بلدية وضمان صيانتها دوريا، وفك العزلة عن المناطق الجبلية، وتوصيل مياه الشرب، والسقي، وتصريف المياه القذرة وتنظيف المجاري و إضاءة الطرق والأحياء السكنية.. إلخ).فالدولة هي التي كانت تقوم بإنشاء المؤسسة العامة الإدارية، وهي كذلك التي تقوم بتوظيف أعوانها ومستخدميها بالإضافة إلى ضمان مرتباتهم ومنحهم وتأمينهم اجتماعيا، وذلك من منطلق ضمان الخدمة العمومية للمواطنين مقابل ثمن رمزي لا يغطي تكلفة الخدمة، و كل ذلك بغرض تحقيق المنفعة العامة(L’intérêt général) التي يعرفها مختص في قانون المرافق العمومية بالآتي:"هي أنواع النشاط أو الخدمات التي يقدر الرأي العام في وقت من الأوقات وفي دولة معيّنة، أن على الدولة القيام بها نظرا لأهميتها للجماعة ولعدم إمكانية تأديتها على الوجه الأكمل بدون تدخل الدولة المتزايد في المجالات المتروكة للأفراد خاصة، وأن تقدير أهمية الخدمات التي يجب إشباعها عن طريق المرافق العامة هو بيد الدولة، فهي بذلك تلك الخدمات التي يعجز الأفراد بوسائلهم الخاصة عن اشباعها".ويقدم الدكتور عيسى ريّاض( جامعة مولود فرعون –تيزي وزو) التعريف الآتي للمؤسسة العامة الاقتصادية:" المؤسّسة العامة الاقتصادية هي مرفق عام يدار عن طريق منظّمة عامّة و يتمتع بالشخصية المعنوية وله ميزانية مستقلّة" ؛-الاعتماد على المؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري:وهي مؤسسة انتشرت بكثرة بفرنسا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وذلك لمرونتها(تأسيسا وإدارة وتشغيلا للأعوان والمستخدمين). فهي خاضعة للقانون العام في كافة تعاملاتهـا مع الدولة وتفرعاتها المختلفة، ولكّنها تخضع كذلك للقانون التجاري عندما تتعامل مع القطاع الخاص، وهي مؤسسة عمومية متواجدة في معظم القطاعات التي يهجرها القطاع الخاص بسبب عدم ربحيتها السريعة، ومنها على سبيل المثل لا الحصر:-قطاع التعليم العالي والتربية(صناعة وتوزيع الكتاب الجامعي أو المدرسي)؛-قطاع الصّناعة والتجارة(المؤسسات العمومية التابعة للبلديات التي يكون الهدف من تأسيسها ضمان الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي و التجاري العمومي). هذا وقد أسست السلطات العمومية الفرنسية لما أصبح يعرف بالحوار الاجتماعي(Le dialogue social) بين الشركاء الاجتماعيين(حكومة ونقابات عمال ونقابات أصحاب عمل) بموجب اعتماها لقانون 25 مارس 1919 الذي كرّس الاتفاقية الجماعية في العمل كأحد أهم مصادر قانون العمل الفرنسي، بعد أن شجعت على إنشاء أول كونفدرالية عامة لأرباب العمل الفرنسيين تضم ما لا يقل عن 21 فيدرالية لأرباب العمل بتاريخ 19 مارس 1919، مما أدى إلى الاتفاق بين الحكومة الفرنسية ونقابات العمال ونقابات أصحاب العمل، بتاريخ 21 أفريل 1919، على أن يكون الحجم الساعي اليومي للعمل بـ(8) ساعة عمل لليوم الواحد وتحديد الحجم الساعي الأسبوعي للعمل بـ(48) ساعة عمل في الأسبوع. وتواصل تدخل الدولة(باعتبارها معدّلة اجتماعيا..Comme régulateur social) في الشأن الاقتصادي دون أن يعني ذلك عدم تشجيع النشاط الخاص الاقتصادي، قبل أن تندلع  شرارة الحرب العالمية الثانية(1939-1945) سيّما بعد أن وصلت الجبهة الشعبية للحكم(بعد الانتخابات التشريعية بتاريخ 3 ماي 1936) التي كانت تتشكّل في معظمها من تكتّلات شيوعية واشتراكية.
وهي الحكومة اليسارية التي أعطت الأولوية للمؤسسة العمومية الادارية والاقتصادية، وشجعت على إنشاء الدواوين و الوكالات العمومية التي استمرت بعد الحرب العالمية الثانية و إلى غاية تاريخ 27 مارس 1956، تاريخ التنديد الصريح من طرف الكنفدرالية الوطنية لأرباب العمل الفرنسيين برئاسة السيد "Georges Villiers" بالتدخل القوي لسلطوية الدولة في النشاط الاقتصادي
.ولم يتوقف تدخل الدولة الفرنسية في النشاط الاقتصادي إلا بعد أن واجهتها أزمات اقتصادية شديدة القوة فتوجت الحكومات اليمينية منها بالخصوص إلى المزيد من اعتماد مبدأ التعديل الاقتصادي على حساب التدخل المباشر في النشاطات الاقتصادي عبر ما أصبح يعرف بالهيئات الإدارية المستقلة.

المطلب الثاني: القانون العام الاقتصادي:الأهميّة والتعريف والقواسم المشتركة بالقوانين الأخرى

تكمن أهميّة القانون العام الاقتصادي في كونه أحد أهم القوانين التي أسّست للدولة الحديثة في أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الانهيار العام الذي أصاب الإمبراطوريات التي كانت سببا في إشعال فتيل الحروب الدينية و القومية في أوروبا الوسطى و الغربية. إذ يجد الباحث في القانون العام الاقتصادي صعوبة في إيجاد تعريف شبه-جامع لهذا القانون الذي برز ببروز مفهوم الدولة(La notion d’Etat )، بعد أن تجاوزت أوروبا الغربيّة فترة الحروب الدينيّة والملكيّة المفرطة وبدأت تتجه نحو الإقرار القانوني بالحقوق السياسية والاقتصادية الاجتماعية للفرد، وذلك لتعدد المرجعيّات الفقهيّة في هذا الشأن نتيجة تنوّع التجارب على امتداد العالم، و عليه وقع اختياري على التقسيم الآتي لهذا المبحث:-المطلب الأول: القانون العام الاقتصادي:الأهمية والتعريف؛-المطلب الثاني: القانون العام الاقتصادي: علاقة التأثير والتأثر بالقوانين ذات الصّلة بالقانون الاقتصادي.

الفرع الأول: القانون العام الاقتصادي: الأهمية و التعريف

لم تتوقف المجتمعات البشرية عن التوجه نحو المزيد من التعقيد في العلاقات التجارية والاقتصادية بين أبناء المجتمع الواحد، وقد احتل المشروع الاقتصادي الفردي و العائلي و/ أو الجماعي أهميّة بالغة في بناء الصـرح الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لأي بلد أو مجتمع أو منطقة من هذه المعمورة.
- أهميّة القانون العام الاقتصادي: يستشف الباحث في القانون الاقتصادي أنّ ثمّة علاقة وطيدة ومتشابكة بين الأفكار الاقتصادية والاجتماعية الناشئة والوقائع والأحداث الاقتصادية، ومن هنا تأتي صعوبة الفصل بين ما هو فكر إنساني في المجال الاقتصادي، وما قد يعتبر واقعة اقتصاديّة أوحدثا اقتصاديا سابقا مهدّ لنظرية أو مقاربة قانونية –اقتصادية معيّنة، لأن "الوقائع هي التي خلقت المناخ ومهدت الظروف لولادة الأفكار، وبشكل آخر إن الأفكار الاقتصادية كانت بنت الظروف الاقتصاديـة والاجتماعيــة والسياسية في زمان ومكان معينين".
فلا أحد يستطيع تجاهل أو غض الطرف عن حقيقة التأثير والتأثر المسجلة في العلاقة بين القانون الاقتصادي ومختلف فروع القانون (العام أو الخاص على حد سواء)، ذلك أن القانون الاقتصادي الذي يعرّف أنّه قانــون العلاقـــات والعقـود والاتفاقيات التجارـة والاقتصادية، وكل ما له علاقة بالفعل الاقتصادي داخل وخارج الدولة. وتتفق جلّ المراجع الاقتصادية على أن مفهوم القانون الاقتصادي يعدّ مفهوما واسع النطاق من مصطلح القانون التجاري، أو قانون الاستثمار، أو قانون المؤسسات الاقتصادية، أو حتى قانون الأعمال، ذلك إن النشاط الاقتصادي كان في البدء وقائع وأفكار سواء ببروز الفلسفة اليونانية، أو أثناء العهد الروماني، أو أثناء الحقبة الذهبيّة للحضارة الإسلامية، أو بالموازنة مع المظاهر الأولى المواكبة للعصور الوسطى في أوروبا التي كانت الإقطاعية فيها هي السائدة، إلى أن ظهرت البورجوازية كعنصر دعم ومساندة للنهضة الصّناعية التي بدأت مع اكتشاف الآلة والتأسيس للعمل الصّناعي.
وبالتالي، فإن القانون الاقتصادي بمشموليّته بالأعمال ذات الصّلة بالصّناعة، والتجارة والخدمات والمعاملات النقديّة والمصرفية والتأمينات يعدّ قانونا أوسع نطاق من القوانين الرديفة له.إنّ أهم تعريف للقانون الاقتصادي هو على النحو الآتي: هو "مجموع القواعد القانونية والتنظيميّة التي تنظم، وتحدد، وتضبط الأنشطة الاقتصادية من إنتاج وبيع وتسويق ومعاملة وعقد تجاري أو خدمي، إن كان هذا النشاط على المستوى الوطني، أو كان خارج حدود الوطن، سواء كانت الدولة (أو أحدتفرعاتها) عنصر فيه كسلطة عمومية أو كانت فيه كطرف خاص تخضع لما يخضع له التاجر أو المتعامل الخاص". وتتضّح علاقة التأثير والتأثر بين القانون العام الاقتصادي والقوانين الأخرى ذات الصّلة بالموضوع الاقتصادي من خلال الوقائع الآتية:-العلاقة التبادلية بين القانون العام الاقتصادي بالدستور باعتباره أم القوانين أو الشريعة الأساسية للدولة( المبادئ الدستورية هي التي طبيعة و درجة و كيفية تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية..) ؛-أنّه كلّما كان الدستور(دستور أي بلد) مكرسا لمبدأ تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادي(قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، كانت مساحة الاقتصاد العام غالبة في التشريع والقانون والتنظيم (النموذج الجزائري من سنة 1962 و إلى غاية سنة 1988، وهو على عكس النموذجين التونسي والمغربي في طبيعة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي)؛-أنّه كلّما كانت الدولة متدخّلة في الفضاء الاقتصادي والتجاري والصّناعي كقوّة عمومية(صاحبة سلطة وسيادة) معتبرة نفسها طرفا متميّزا في النشاط الاقتصادي، كانت القوانين الأخرى(القانون التجاري والقانون الجمركي والقانون الضريبي وقانون الاستثمار وقانون العمل..) عاكسة لهذا النمط من التسيير للشأن العام الذي تكون فيه الدّولة صاحبة التشريع الاقتصــادي دون منازع، ومن منطلق ممارستها للسيادة المطلقة.وبالنتيجة نحن أمام منظومة تسيير اقتصادي تقوم على الخصائص الرئيسة الآتية: *التمويل العمومي المباشر للمرافق والمؤسسات العامة الادارية والاقتصادية ؛*ضمان حماية قانونية أوسع لكل ما هو مـرفق عمومي (Service Public)، ومؤسسـة عمومية إدارية واقتصادية(Etablissement Public Administratif ou Économique)من الإفلاس والتسوية القضائية؛
- أنّه كلّما كانت الدولة متدخّلة كطرف خاص(لا كصاحبة سلطة وسيادة) في الشأن الاقتصاديفإنّها تخضع لما يخضع له القطاع الخاص من التزامات و واجبات يكرسها القانون التجاري، وهو ما يتم اللجوء إليه على الصعيد الدولي بالنظر  للتحولات التي يشهدها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي العام 1989-1990 والرجوع القوي للمؤسسات المالية العالمية(صندوق النقد الدولي و البنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية) على الصعيد الدولي بدعم من الشركات متعددة الجنسية التي أصبحت تحوز على رؤوس أموال تجارية ضخمة وضخمة جدا  بسبب التوّسع الذي حققه النظام الاقتصادي الرأسمالي على حساب النظام الاشتراكي.
- القانون العام الاقتصادي: التعريف و المضامين المختلفة: اجتهدت عديد المدارس الفقهية في تقديم تعاريف متنوّعة للقانون العام الاقتصادي قواسمها المشتركة هي أن القانون العام الاقتصادي أساسه تدخل السلطات العموميّة في النشاط الاقتصادي، لا كطرف خاص يخضع للقانون الخاص  و لاشتراطات القانون التجاري، لكن يكون تدخلها-غالبا- في النشاط الاقتصادي كصاحبة سلطة و سيّادةمما يجعل هذا التدخل في النشاط الاقتصادي خاضعا للقانون العام في حال المنازعة. وبغرض الوقوف على طبيعة العلاقة المتداخلة بين كل من القانون العام الاقتصادي، والقوانين ذات الصّلة المباشرة، من منطلق الشخص المعنوي العام، ارتأيت المعالجة المفاهيميّة الآتية بغرض الإجابة على السؤال الآتي:ما المقصود بالقانون الاقتصادي؟وللقانون الاقتصادي وجهان أساسيان وهما على النحو الآتي:-القانون الاقتصادي الوطني: وهو القانون الاقتصادي التي تحدد مضامينه وطبيعة أحكامه الدولة من منطلق مبدأ السيّادة في إدارة الشأن الاقتصادي، و تتحدد أغراضه في تنظيم العلاقات والروابط والأنشطة أو النشاطات الاقتصادية بين الأشخاص الذين يتبعون الدولة.وهو القانون الذي نجده في كل دولة عضو في هذا المجتمع الدولي الذي أسست له عصبة الأمم العام 1919 ،قبل أن تحل محلها هيئة الأمم المتحدة(الجمعية العامة +مجلس الأمن) وتوصياتها وبروتوكولاتها المختلفة، بالإضافة إلى أحكام الاعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدان الدوليان التي تمّ التصديق عليهما سنة 1966 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة(العهد الدولي للحقوق المدنية  السياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية)، ومجموع الاتفاقيات الثنائية(بين الدول)والمتعددة الأطراف(لأكثر من طرفين) التي تبرمها الدولة مع الدول أو التجمعات الاقتصادية الإقليمية، أو مع المؤسسات العالمية المالية؛-القانون الاقتصادي الدولي: وهو قانون ينظم العلاقات والروابط الاقتصادية بين الدّول(العلاقات الاقتصادية البينيّة)، أو بين الدول و المؤسسات المالية العالميّة(صندوق النقــــــد الدولي و البنـــك العالمي و منظمة التجارة العالميّة..)، أو المنظمات الإقليمية والدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، أو التجمعات والاتحادات الاقتصادية الدولية(الاتحاد الأوروبي ..)، وبالتالي فهو قانون ينظم العلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين أشخاص القانون الدولي.وينقسم القانون الاقتصادي الوطني إلى قانون عام اقتصادي وقانون خاص اقتصادي، ونعني بالقانون العام الاقتصادي كل ما يشمل من أنشطة أو علاقات اقتصادية (إنتاج وبيع و تقديم خدمات..) تكون فيها الدولة أو أحد تفرعاتها كشخص معنوي عام طرف رئيسا فيها، في حين نعني بالقانون الخاص الاقتصادي كل نشاط أو علاقة اقتصادية تكون بين الخواص، وقد تكون الدولة فيه طرفا، لا من منطلق تمتعها بامتيازات الشخص المعنوي العام، لكن يكون تدخلها في النشاط الاقتصادي كطرف خاص يخضع لما يخضع له المتعامل الخاص أو التاجر.ومن التعاريف التي تحوز على قبول جمهور فقهاء القانون الاقتصادي، من حيث العناصر المشكّلة للقانون العام الاقتصادي، التعريف الآتي:-القانون العام الاقتصادي هو :"قانون تدخل السلطات العامة في الحياة الاقتصادية، وهو مجموع القواعد التي تسعى في زمن معيّن، و في مجتمع معيّن، إلى ضمان التوازن بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين، إن كانوا من القانون العام، أو من القانون الخاص، أو المصلحة الاقتصادية العامة".وتتمثّل أهم العناصر التي يمكن للباحث أن يستشفها من مجموع التعاريف التي تناولت القانون العام الاقتصادي في الآتي:-وجود عنصر الدولة كمتدخل في تنظيم الاقتصاد(أنشطة وعلاقات اقتصادية) من منطلق السلطة العمومية؛-أن يكون هذا التدخل غايته تحقيق التوازن المطلوب بين مختلف المتعاملين الاقتصاديين والاجتماعيين وأطراف الإنتاج للحيلولة دون الفوضى الاقتصادية؛-أنّه كلّما كان دخل الدولة باعتبارها صاحبة سلـطة وسيّادة في النشـاط والعلاقات الاقتصادية على مستوى الدولة فإننا نكون أمام قانون عام اقتصادي، لكن كلّما كان تدخل الدولة كطرف عادي  يخضع ما يخضع له الطرف الخاص في العلاقة الاقتصادية أو التجارية فإننا نكون أمام قانون خاص اقتصادي.فالقانون العام الاقتصادي هو:"مجموع الأحكام التشريعية، والقواعد القانونية والتنظيمية التي تؤطر آليات وتنظم كيفيات تدخل الدولة كقوّة عمومية في النشاط الاقتصادي بغرض تحقيق التوازن الاقتصادي المطلوب وضمان التأطير القانوني لمجموع السياسات الاقتصادية للأشخاص الإدارية بواسطة القانون، أي أننا أمام قانون لا يخرج نطاق تطبيقه على"كل ما هو مطبق على تدخلات الأشخاص العمومية في الاقتصاد وكيفية تنظيم هذه التدخلات".ومن نتائج التدخل القوي للدولة لمواجهة الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية الكبرى(1929-1933) أن برز ما أصبح يعرف بنظرية الدور التعديلي و الاجتماعي للدولة تحت تأثير الأفكار الكينزيّة،أو ما يصطلح عليه بدولة الرعاية(État-providence) الكاملة التي تكون فيها الدولة محور التنمية الاقتصادية في حالة الأزمة الاقتصادية، أو في حالة الضائقة المالية الظرفية، فالدولة لها القدرة على أن تبادر بإنجاز مشاريع اقتصادية واسعة بتمويل من الخزانة العمومية(La trésorerie publique) يكون الهدف منها توفير الشغل وضمان مداخيل(مالية) منتظمة للعائلات حتى تحافظ على قدرة شرائية مقبولة ،بالإضافة إلى ضمان دخل مالي للعمال والموظفين ليسهموا في انعاش الاستهلاك الوطني، وبالتالي دف العجلة الاقتصادية إلى مزيد الانتاج.وهي النظرية الاقتصادية التي تبنتها عديد الدول الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية بغرض إعادة تنشيط الآلة الإنتاجية المتعثرة والمثقلة بسبب أعباء الحرب التي دمرت الشركات والمؤسسات التجارية والزراعية والخدمية التابعة للخوّاص.
إعداد: د.عبد المجيد صغير بيرم

المرجع:

  1. د. عبد المجيد صغير بيرم، الوجيز في القانون العام الاقتصادي، جامعة محمد بوضياف- المسيلة، الجزائر، السنة الجامعية: 2016-2017،

google-playkhamsatmostaqltradent